يا مظلوم ... لا تحزن

يا مظلوم ... لا تحزن


يا مظلوم...لا تحزن
يا مظلوم ... لا تحزن
د. زياد موسى عبد المعطي أحمد
المظلوم قد يجد بعد فترة أن الظلم الذي وقع عليه كان نعمة من الله، وأن الظلم قد غير مسار حياته إلى الأفضل، والتعرض للظلم فتنة واختبار، والمظلوم ينصره الله في الدنيا والآخرة.
من الخواطر والعبر المستخلصة من سورة يوسف أرى أن المظلوم عليه ألا يحزن، فنجد أن يوسف عليه السلام ظلمه إخوته وألقوه في غيابات الجب “قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ" (يوسف: 10)، فالتقطه بعض المسافرين في الطريق الموجود به الجب (البئر) "وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ. وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ" (يوسف: 19 – 20)، وذهبوا به إلى مصر واستقر به الحال في بيت عزيز مصر، "وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ" (يوسف: 21) وتربى تربية الأمراء، وتعلم على يد أفضل المعلمين، فكان ظلم إخوته نعمة غيرت مجرى حياته للأفضل، هذا الظلم الذي وقع عليه جعله يتربى في أرقى البيوت في أفضل حضارة في عصره بدلاً من الوجود في البادية والعمل في رعي الأغنام، تربى في القصور وتعلم في بيت رئيس وزراء مصر.
ثم كان ظلم يوسف من امرأة العزيز التي راودته عن نفسه فأبى ورفض وحفظه الله من كيدها، أن وشهد شاهد من أهلها وتبين لهم الحق أن يوسف برئ مما ادعوا عليه ظلماً، ومع هذا أودعوه في السجن سنين " ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ" (يوسف: 35) ، إلى أن أذن الله أن يخرج يوسف من السجن بسب رؤية ملك مصر، وخرج يوسف بعد أن ثبتت براءته واعترفت امرأة العزيز والنسوة اللاتي كنا معها بأن يوسف برئ، "قَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ. قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ. وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ" (يوسف: 54 – 56) وتبوأ يوسف مقعد عزيز مصر، فكان السجن سبباً في تبوأه هذا المنصب.
وأتى إليه اخوته" فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ. قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ. قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنَّ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ" (يوسف 88 – 91)، فإخوته الذين ظلموه في بداية حياته احتاجوا إليه واعترفوا بذنبهم وأن الله فضله عليهم.
ففي سورة يوسف ظلم يوسف مرتين، مرة كان نتيجتها أنه تربى في بيت العزيز، والأخرى صار العزيز.
وفي الحياة المعاصرة قرأت وسمعت وعايشت قصص لمن وقع عليهم ظلم وكان هذا الظلم منحة إلهية غيرت مسار حياتهم للأفضل.
ومما قرأت أن هناك أحد المهندسين كان يعمل في إحدى الشركات التابعة للحكومة كان يعاني من ظلم رئيسه المباشر، فقرر أن يأخذ إجازة بدون مرتب، ويعمل في القطاع الخاص، ثم قرر أن يؤسس شركة صغيرة للمقاولات، ومع نجاح شركته توسعت أعماله، وعندما قابل بعد زمن من كان يظلمه وهو موظف في بداية حياته شكره على ظلمه له الذي كان دافعاً له على تغيير مساره ونجاحه في حياته.
ومن حياة العلماء قرأت عن قصص لبعض العلماء ممن تعرضوا لظلم في بلدانهم في بعض الدول العربية، وكان هذا الظلم سبباً في سفرهم للدول الغربية، وسبباً في نبوغهم وجعلهم يتبوأن أعلى المناصب العلمية في الدول التي هاجروا إليها، فكان ظلمهم في بلدانهم سبباً في الهجرة ونبوغهم في بلدان المهجر.
وأقرأ عن حياة الرياضيين المشهورين، فأجد أن بعضهم حاول الالتحاق بأندية في صغرهم قريبة من محل إقامتهم، ولكنه تعرضوا لظلم ممن اختبرهم، وتم رفضهم، ثم يستمرون في المحاولة والتحقوا بأندية أفضل، بل إن بعضهم طور نفسه وصار في أفضل أندية العالم.
وما سبق ذكره ليس دعوة للمظلوم أن يرضى بالظلم وليست دعوة للظالم أن يتمادى في ظلمه بدعوى أنه يحقق الأفضل لمن يقع عليه الظلم، فالظلم نهى عنه الله عز وجل حيث أن في الحديث القدسي الذي يرويه أبو ذر الغفاري عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فيما روى عن اللهِ تبارك وتعالى أنَّهُ قال "يا عبادي! إني حرَّمتُ الظلمَ على نفسي وجعلتُه بينكم محرَّمًا" (صحيح مسلم) "، ونهى رسول الله عن الظلم، في الحديث الشريف الذي يرويه عبد الله بن عمرو أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال " إيَّاكم والظُّلمَ فإنَّ الظُّلمَ ظُلُماتٌ يومَ القيامةِ" (حديث صحيح - صحيح ابن حبان – الحاكم في المستدرك – صحيح الترغيب للألباني).  
ويجب على المسلم أن يحاول دفع الظلم عن نفسه وعن غيره ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وفي الحديث الشريف الذي يرويه أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا. فقال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، أنصرُه إذا كان مظلومًا، أفرأيتَ إذا كان ظالمًا كيف أنصرُه؟ قال: تحجِزُه، أو تمنعُه، من الظلمِ فإنَّ ذلك نصرُه" (صحيح البخاري)، وفي رواية أخرى " انصُرْ أخاك ظالِمًا أو مظلومًا) قالوا: يا رسولَ اللهِ هذا ينصُرُه مظلومًا فكيف ينصُرُه ظالِمًا؟ قال: (يكُفُّه عنِ الظُّلمِ)" (صحيح ابن حبان)
وكما قال الشاعر
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا      فالظلم ترجع عقباه إلى الندم
تنام عيناك والمظلوم منتبه        يدعو عليك وعين الله لم تنم
المظلوم في الدنيا سوف ينصره الله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "دعوةُ المظلومِ تُحمَلُ على الغَمامِ وتُفتَحُ لها أبوابُ السَّمواتِ ويقولُ الرَّبُّ تبارَك وتعالى: وعِزَّتي لَأنصُرَنَّكِ ولو بعدَ حِينٍ" (صحيح ابن حبان).
وفي الآخرة المظلوم سوف يأخذ من حسنات الظالم، ففي الحديث الشريف الذي يرويه أبو هريرة أن الرسول الله صلى عليه وسلم قال: "أتدرون ما المفلِسُ؟ قالوا: المفلِسُ فينا من لا درهمَ له ولا متاعَ. فقال: إنَّ المفلسَ من أمَّتي، يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مالَ هذا، وسفك دمَ هذا، وضرب هذا. فيُعطَى هذا من حسناتِه وهذا من حسناتِه. فإن فَنِيَتْ حسناتُه، قبل أن يقضيَ ما عليه، أخذ من خطاياهم فطُرِحت عليه. ثمَّ طُرِح في النَّارِ" (صحيح مسلم).
والتعرض للظلم فتنة واختبار من الله للعباد، ليتضح الصادقين من غيرهم، ويظهر المؤمنين من سواهم،  فالله عز وجل يقول في محكم آياته " أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ" (العنكبوت 2)، ومن يتعرض للظلم أن يتذكر قول الله سبحانه وتعالى " وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" (البقرة: جزء من الآية 216)، "فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا" (النساء: جزء من الآية 19).     
وللمظلوم أقول لا تحزن، واعمل ولا تيأس، اعمل واجتهد وتفوق وقم بإثبات لمن ظلمك أنك أفضل وأقوى مما يتصور، واعلم أن بعملك واجتهادك وصبرك سوف يعطيك الله من فضله وكرمه، وتنجح وتكون في وضع أفضل.
ومن تعرض للظلم، وذاق مراراته، عليه ألا يظلم، وأن يتعلم ممن ظلمه العدل، وألا يقع فيما وقع فيه الظالمين.
 يا مظلوم لا تحزن فسوف ينصرك الله في الدنيا ولك في الآخرة حسنات، وقد تقول في وقت ما شكراً لمن ظلمني.

وأقرأ أيضاً:



ليست هناك تعليقات