السبت، 6 أكتوبر 2018

الهروب من "العلوم" ضد مستقبل الوطن

الهروب من "العلوم" ضد مستقبل الوطن

الهروب من "العلوم" ضد مستقبل الوطن
د. زياد موسى عبد المعطي أحمد
كتب الكثير من الكُتاب والمفكرين في الآونة الأخيرة عن أسباب كراهية كليات العلوم وتناقص أعداد طلاب القسم العلمي في الثانوي العامة، ويذكرون حقيقة أن أغلب من يدخلون كليات العلوم يدخلونها وهم لها كارهون، ولدخول هذه الكليات محبطون، ويدخلونها وهم مرغمون بعد أن فاتهم قطار كليات القمة الطب والصيدلة والهندسة، ويصفون هذه الكراهية لدى الطلاب بالكارثة الخطيرة التي تهدد مستقبل وطننا الغالي مصر، وجدت أن هذه المقالات هي محاولة لوصف هذه المشكلة التي تمثل داء عضال يصيب جسم الوطن، ويصيب مستقبلها بالخطر، ووجدت محاولات لوصف العلاج الناجع لهذا المشكلة.
اتفق مع هذه الآراء في أن هذه مشكلة عويصة تحتاج لفريق من الخبراء في ميادين مختلفة لحل هذه المشكلة، واختلف مع من كتبوا الدواء في هذه المشكلة من المفكرين والصحفيين، فرأيت أن أكتب في هذا الموضوع بصفتي من خريجي كليات العلوم، وألمس معاناة خريجي هذه الكليات، وخلال السطور التالية أقدم بعض المقترحات التي أراها من وجهة نظري ومن وجهة نظر آخرين حلاً وعلاجاً لهذه المشكلة.
فكليات العلوم كما يعلم الكثير هي أم الكليات العملية الأخرى، وتقدم الفروع التي تدرسها هذه الكليات أساسي لتقدم العلوم الأخرى، كالطب والصيدلة والهندسة والزراعة تتداخل مع فروع العلم في كلية العلوم من الكيمياء والأحياء، والفيزياء والرياضيات، والجيولوجيا.
أهم حل لهذه المشكلة من وجهة نظري هو توفير فرص عمل لخريجي هذه الكليات تناسب تخصصاتهم ومجال دراستهم، وبدخل مرتفع، فتوافر فرص العمل بدخل مرتفع يجعل الطلبة يقبلون على أي كلية ويجعلها من كليات القمة، ولنا في كلية هندسة البترول والتعدين في السويس مثل حي لذلك، فلأول مرة تصبح هذه الكلية هي الكلية رقم واحد في مكتب التنسيق في مصر في العام الدراسي الحالي، وزاد الحد الأدنى لها عن كليات الطب والصيدلة، وكذلك كليات التربية عندما كان هناك تكليف لخريجيها، كانت من كليات القمة في القسمين العلمي والأدبي، وعندما تم رفع التكليف عن خريجي كليات التربية انخفضت مكانة كليات التربية في ترتيب رغبات الطلاب في مكتب التنسيق، وانخفض معدل تقدم الطلاب المتفوقين إليها، وتوفر فرص العمل رفع مكانة كليات التمريض لمكانة كليات القمة، بل وأيضاً المعهد الفني الصحي ارتفع الحد الأدنى للقبول به في مكتب التنسيق وصار أعلى من الكثير من الكليات لوجود تكليف لخريجيه، بل ووجود فرص للإعارة لخريجيه إلى دول الخليج، فهل تتوافر فرص عمل كثيرة لخريجي كليات العلوم تستوعب خريجيها حتى يُقبل عليها الطلاب ويحبون الالتحاق بها؟
أجد أن حصول طلاب هذه الكليات على فرصة عمل في الوقت الحالي أمر صعب المنال، ويحتاج لبحث وجهد ونضال، أو واسطة في أغلب الأحوال، والعمل المناسب لخريجي كليات العلوم في مجال تخصصاتهم في المصانع أو شركات البترول يحصل عليه الأقلية، والكثير من خريجي كليات العلوم في مصر عانوا ويعانون من البطالة لسنوات طويلة، وأغلب من يجدون فرص عمل يواجهون صعوبات، ويجدون من يصفهم بأنهم يعملون في غير تخصصهم، فمن يعمل من خريجي العلوم في التدريس يجد من يقول له هذا ليس مجالك بل مجال خريجي كليات التربية، ومن يعمل في شركات الأدوية يجد من يقول هذا ليس مجالك بل مجال خريجي الصيدلة، ومن يعمل في التحاليل الطبية يجد من يقول له أنه ليس مجالك ولكن مجال خريجي كليات الطب، ومن يعمل في قطاع الزراعة يجد من يقول له هذا ليس مجالك بل مجال كليات الزراعة، بل إني أعرف خريجين من كليات العلوم يعملون تمرجية عند أطباء، وآخرون يعملون سكرتارية عند محامين، وآخرون يعملون أعمال حرفية يدوية، فهل من يرى مصير مثل هؤلاء يفكر في الالتحاق بكليات العلوم؟؟!!
فإذا كان هناك رغبة ملحة في الحفاظ على كليات العلوم وخريجيها من أجل مصلحة هذا الوطن، فيجب البدء في إصلاح شئون هذه الكليات، وتنظيم قانون ينظم عمل خريجيها، ويمنحهم فرص عمل في مجالهم.
ولكي نصل لهدف توفير فرص عمل، يجب تطوير وتغيير المناهج بما يتناسب مع سوق العمل، ويجب تطوير الدراسة في كليات العلوم، وإني أعلم أن هناك تطوير في المناهج النظرية وفق منظومة الجودة التي تتبناها وزارة التعليم العالي، وهذا شيء جميل، ونطمع في المزيد من التطوير كذلك في المناهج العملية وتطوير معامل هذه الكليات، والأكثر أهمية هو التدريب العملي، والذي أعلمه أن التدريب العملي يكون فقط في الأجازة الصيفية الأخيرة للطلاب (أي بعد امتحانات العام الدراسي الثالث، وقبل بداية العام الدراسي الرابع) ومن وجهة نظري هذا غير كافٍ، فأرى أن يكون التدريب بداية من أول أجازة صيفية في المؤسسات والشركات والمصانع والأماكن المختلفة التي تناسب التخصصات التي تقوم الكلية بتدريسها، ويجب أن يكون التدريب تدريب فعلي لا تدريب على الورق كما يحدث أحياناً حيث يذهب الطلاب إلى مكان التدريب فيوقعون في دفاتر حضور وانصراف وينصرفون مباشرةً دون أي استفادة أو تدريب واقعي، وهناك أصوات تطالب بجعل كليات العلوم خمسة سنوات دراسية وذلك بجعل العام الدراسي الخامس للتدريب في الأماكن الميدانية، ولكني أرى أن التدريب الصيفي من أول أجازة صيفية يكفي، بالإضافة إلى التدريب العملي يوم في الأسبوع في العام الدراسي الرابع  بالإضافة إلى مادة البحث والمقال التي يأخذها الطلاب.
وكذلك يجب تطوير كليات العلوم باستحداث أقسام جديدة تناسب سوق العمل، وأن يكون تطوير هذه الكليات يتم بناء على الاحتياج الفعلي لسوق العمل في الحكومة والقطاعين العام والخاص، فالتعليم بصفة عامة يجب أن ينتج خريجين بما يتلاءم مع احتياجات السوق، فيجب أن ننتج خريجين يمتلكون مهارات تتناسب مع احتياجات سوق العمل، لا أن ننتج خريجين والسلام، أو خريجين يشرعون بعد التخرج في تأهيل أنفسهم لسوق العمل.
المصدر: جريدة الجمهورية – الثلاثاء 25 من صفر 1431 ه – 9 من فبراير 2010 م – العدد 20479 – صـ 15.

0 comments:

إرسال تعليق