السبت، 6 أكتوبر 2018

البطالة تصيب التعليم في مقتل


 البطالة تصيب التعليم في مقتل
 البطالة تصيب التعليم في مقتل
د. زياد موسى عبد المعطي أحمد
للبطالة آثار سلبية عديدة على المجتمع من نواحي شتى، ولكني أركز خلال هذه السطور على الآثار السلبية للبطالة على التعليم والعملية التعليمية.
وإني اكتب خلال هذه السطور معبراً عن شعور الكثيرين من أبناء الأرياف، وما أكتبه ليس من وحي خيالي، بل ألمسه، وأعيشه في قريتي والكثير من القرى المجاورة (حيث أني من أبناء أرياف مدينة المنصورة)، بل أكيد أن ما أكتبه خلال هذه السطور يشعر به العديد من أبناء المناطق الشعبية، وطبعاً ذلك لا ينطبق على أبناء الأثرياء، أو الطبقات الراقية.
فإني أرى أن البطالة بين المتعلمين هي من العوامل المؤثرة التي تلغي وجود الحافز لدى الكثير من التلاميذ والطلبة في المراحل التعليمية المختلفة، فوجود نماذج في الكثير من القرى ممن لا يجدون عملاً من خريجي الجامعات يعطي نموذج سيء لصورة من اجتهد في التعليم العالي، بل والأجور المتدنية للموظفين تعطي صورة سلبية أخرى لمن يتم توظيفه في أغلب الوظائف الحكومية.
فأجد الكثير من خريجي الجامعات ينضمون إلى طابور البطالة، ويتحول حلم التخرج إلى كابوس على أرض الواقع، ويصاب الخريجين وآبائهم بإحباط شديد.
 إن البطالة وانخفاض متوسط الدخل لمن يجد عمل من خريجي الجامعات عن نظيره للحرفيين يجعل الكثير من الحرفيين والتجار من غير المتعلمين يأخذون من المتعلمين مادة للسخرية والتهكم، ويقولون لهم هذا ما حصلتم عليه من التعليم العالي، بل بطالة الأبناء من الخريجين أصابتهم وأصابت آبائهم بأمراض، ومن ثم أجد الكثير من غير المتعلمين لا يأخذون موضوع تعليم أبنائهم موضع الجد، وبعضهم يجعل أبنائهم يتركون التعليم من المرحلة الإعدادية أو الثانوية.
ومن ثم فإن البطالة هي من أهم أسباب التسرب من مراحل التعليم المختلفة، بل ومن أسباب عدم جدية الكثير من التلاميذ والطلبة في مراحل التعليم المختلفة، فالإحصائيات الرسمية تقول إن نسبة البطالة بين المتعلمين أكبر من نسبتها بين غير المتعلمين.
فما يردده الكثير من أبناء الأرياف ما جدوى التعليم طالما أن أغلب الخريجين ينضمون لطابور البطالة، أو يعملون أعمال حرفية، فمن باب أولى أن يترك الأبناء تعليمهم ويتعلمون مهنة يدوية منذ مرحلة مبكرة، فهذا أكثر ربحاً وراحة نفسية بدلاً من تعب المذاكرة الذي في الغالب لن يأتي بالنتيجة والثمار المرجوة.
بل قال لي أحد أبناء قريتي من خريجي إحدى الكليات يعمل بائع في محل بأجر زهيد ذات يوم "أنا قدوة سيئة لأبناء قريتي لخريجي هذه الكليات، وأنصح من يسألني عن هذه الكليات ألا يلتحق بها، بل لا يدخل كلية من أصله"
وفي بعض الأرياف حيث تكثر الهجرة إلى أوربا أو دول الخليج يقوم الآباء بإخراج أبنائهم من التعليم الإعدادي أو الثانوي الفني وتسفيرهم سواء بعقود رسمية أو عن طريق هجرة غير شرعية، حيث يعود الأبناء بعد فترة قليلة من السنوات وقد ادخروا أموالاً وفيرة، ويظهر الثراء على أسرهم، بينما أسر المتعلمين يتجرعون الفقر والندامة على أبنائهم، وعلى مستقبلهم.
ولذلك فالدافع للعلم والتعلم لدى عامة الشعب أراه غير كافٍ بسبب البطالة وتدني متوسط أجور المتعلمين، فالتعليم الذي يؤدي بصاحبه إلى الفقر لا يرى الأغلبية فيه فائدة، ويصيب العملية التعليمية في مقتل، ويرى الكثيرين من عامة الشعب التعليم الذي يأتي بالفقر لا يلزمنا، ويكفي أبنائنا إذا تعلموا دبلوم فني والسلام.
ولعلاج هذه المشكلة أرى أن يكون التعليم وفقاً لما يحتاجه السوق، ويكون التعليم مصحوباً بتدريب عملي حقيقي وليس حبراً على ورق كما يحدث حالياً.
فما يحتاجه السوق هو إنشاء كليات جديدة بتخصصات جديدة وفقاً لما تحتاجه الشركات والمصانع، ولنرى الدول في الخارج والتخصصات التي يتم تدريسها والكليات التي تنشئها، ولندرس هذا الموضوع بمنتهى السرعة والجدية، فلا يصح ونحن في القرن الواحد والعشرين أن تقوم الكليات بتخريج طلاب يحاولون بعد التخرج تجهيز أنفسهم لسوق العمل، بل يجب أن يتم تخريجهم وهم متسلحون بكل المهارات التي تؤهلهم للالتحاق بأعمال تدر عليه دخل وفير.
وأرى أن الجامعات الخاصة بدلاً من أن تلعب دوراً حيوياً في إنشاء كليات لتخصصات تساهم في نهضة البلد أجدها تقوم بإنشاء كليات ذات أسماء تجذب دافعي الأموال والسلام، وبذلك تساهم هذه الجامعات في زيادة بعض التخصصات عن حاجة سوق العمل، فنرى بعض التخصصات التي كانت تعمل بمجرد التخرج سوف يعاني خريجيها من البطالة بعد سنوات قليلة مثل الطب والصيدلة وطب الأسنان، والمتأمل في الجامعات والمعاهد الخاصة يجد أن أغلبها تنشأ كليات قليلة التكلفة كثيرة الربح مثل طب الأسنان، والصيدلة، وهندسة الكمبيوتر والحاسبات، وإدارة الأعمال، أما بعض التخصصات الأخرى مثل كليات العلوم، فلا أجد سوى كليتان فقط باسم بيو تكنولوجي في الجامعات الخاصة، وأما عن تخصصات كليات الزراعة فلا توجد في الجامعات الخاصة، بل في الكليات الحكومية لا يقوم الطلاب بالإقدام على كليات الزراعة، بل إني أرى أن عدد المعاهد العليا للكمبيوتر قد زاد بصورة مبالغ فيها فصارت عدد معاهد الكليات التي تقوم بتدريس الكومبيوتر قد قارب مجموع الكليات والمعاهد في التخصصات الأخرى.
فهل نطمع ونحلم بحل مشكلة البطالة، وبرفع الأجور للخريجين حتى تجد الأجيال القادمة دافعاً للعلم والتعليم؟؟!!
المصدر: جريدة الجمهورية -الأحد 2 جمادى الآخرة 1431 هـ -16 مايو 2010 م – العدد 20593 -صفحة رأي ورأي -صـ 13.

0 comments:

إرسال تعليق