الاثنين، 30 يوليو 2018

هل الأنثى كرمها الإسلام؟

هل الأنثى كرمها الإسلام؟ ماذا عن خبر ولادتها، وتربيتها، وزواجها، ومعاملة الزوجة، ومكانة الأم؟ وماذا عن الحجاب وحقها في تلقي العلم وتدريسه واحترام رأيها واشتراكها في الجهاد؟  وماذا عن الوفاء لها بعد وفاتها؟
هل الأنثى كرمها الإسلام؟
بقلم: د. زياد موسى عبد المعطي
هل الأنثى كرمها الإسلام؟ ماذا عن خبر ولادتها، وتربيتها، وزواجها، ومعاملة الزوجة، ومكانة الأم؟ وماذا عن الحجاب وحقها في تلقي العلم وتدريسه واحترام رأيها واشتراكها في الجهاد؟  وماذا عن الوفاء لها بعد وفاتها؟
ميلاد الأنثى زرق:
من يرزق بميلاد أنثى فقد رزقه الله هدية، وقدم الله عز وجل ميلاد الإناث على ميلاد الذكور في آية وفي الآية التي تليها قدم الذكور على الإناث، فالإنسان لا يعلم أيهما خير الذكور أم الإناث حيث قال سبحانه وتعالى "لِّلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا ۖ وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50)" (سورة الشورى).
بشرى مولد الأنثى:
والله عز وجل جعل خبر الرزق بمولودة خبر سعيد وبشرى سارة، ولكنهم كانوا في الجاهلية لا يفهمون ولا يعقلون وحرم الله قتل البنات أو ما يسمى وأد البنات الذي كان منتشراً في الجاهلية، حيث قال الله عز وجل في القرآن الكريم "وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59)" (سورة النحل) وقال سبحانه وتعالى "وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ (9)" (سورة التكوير)
تربية البنات طريق لدخول الجنة
تربية البنات في الإسلام لها ثواب عظيم من الله عز وجل سواء أكانت ابنة أو أخت حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" مَن كان له ثلاثُ بناتٍ أو ثلاثُ أخَواتٍ أو ابنتانِ أو أُختانِ فأحسَن صُحبتَهنَّ واتَّقى اللهَ فيهنَّ دخَل الجنَّةَ" (صحيح ابن حبان) ، بل يرفع الله بتربية البنات الدرجات يوم القيامة ويجعل من يحسن تربية البنات في أعلى الجنان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من عالَ جاريتينِ دخلتُ أنا وَهوَ الجنَّةَ كَهاتين وأشارَ بأصبُعَيْهِ" (صحيح الترمذي)، والإسلام حبب إلى قلوب المسلمين تربية البنات، وفي ذلك قال الشاعر:
أحبّ البنات، فحبّ البـنـات     فرضٌ على كلّ نفسٍ كريمة   
لأن شعيباً لأجل الـبـنـات         أخدمه الله موسى كلـيمـه
تحريم ما يخالف الزواج الشرعي
أبطل الإسلام أنواع النكاح التي كانت موجودة في الجاهلية، وأكرم المسلمين والمسلمات بالزواج الشرعي.
الأنثى لابد من موافقتها قبل الزواج:
لابد من موافقة الأنثى على الزواج سواء أكانت بكر لم يسبق لها الزواج أو ثيب تزوجت من قبل، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تُنكَحُ الأيِّمُ حتَّى تُستأمرَ ولاَ تنْكحُ البِكرُ حتَّى تُستأذنَ قالوا: يا رسولَ اللَّهِ وَكيفَ إذنُها؟ قالَ: أن تسْكُتَ" (متفق عليه).
المعاملة الكريمة للزوجة:
أمر الله عز وجل الأزواج بحسن معاملة الزوجات، حيث قال الله سبحانه وتعالى "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ" (البقرة: من الآية228)، وقال سبحانه وتعالى "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ" (النساء: من الآية19)، وفي الأحاديث الشريفة نجد وصايا للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في هذا الصدد، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " استوصُوا بالنساءِ، فإنَّ المرأةَ خُلقتْ من ضِلعٍ، وإنَّ أعوجَ شيءٍ في الضِّلعِ أعلاه، فإن ذهبتَ تقيمُه كسرتَه، وإن تركتَه لم يزلْ أعوجَ، فاستوصُوا بالنِّساءِ" (متفق عليه)، وقال "خيرُكم خيرُكم لأهلِه وأنا خيرُكم لأهلي" (حديث صحيح – رواه الترمذي وابن حبان وابن ماجة)،  وعن معاوية القشيري قال "يا رسولَ اللَّهِ ، ما حقُّ زَوجةِ أحدِنا علَيهِ ؟ ، قالَ : أن تُطْعِمَها إذا طَعِمتَ ، وتَكْسوها إذا اكتسَيتَ ، أوِ اكتسَبتَ ، ولا تضربِ الوَجهَ ، ولا تُقَبِّح ، ولا تَهْجُرْ إلَّا في البَيتِ" (صحيح أبي داود).
الأم طريق أحق الناس بالصحبة وطرق لدخول الجنة:
في الحديث الشريف الذي يرويه أبو هريرة: "جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ اللهِ، من أحقُّ الناسِ بحُسنِ صَحابتي؟ قال: أُمُّك. قال: ثم من؟ قال: ثم أُمُّك. قال: ثم من؟ قال: ثم أُمُّك. قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك" (متفق عليه).
في الحديث الذي يرويه معاوية بن جاهمة السلمي أنَّ: "جاهِمةَ جاءَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، أردتُ أن أغزوَ وقد جئتُ أستشيرُكَ؟ فقالَ: هل لَكَ مِن أمٍّ؟ قالَ: نعَم، قالَ: فالزَمها فإنَّ الجنَّةَ تحتَ رِجلَيها" (صحيح النسائي).
الأهل من النساء
حرم الله الزواج من الحالات التالية "حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا" (النساء: 23)، وهذه الحالات المذكورة هن أهل الرجل من النساء.
المعاملة الحسنة لجميع النساء
يجب على المسلم أن يعامل جميع النساء معاملة حسنة كأنهن من أهله، وألا يسيء إليهن كما لا يحب أن يعامل أحد أهله معاملة سيئة وفي ذلك نجد الحديث الشريف التالي: عن أبو أمامة الباهلي "إن فتى شاباً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا : مه مه فقال: ادنه فدنا منه قريبا قال: فجلس قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك، قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: أفتحبه لعمتك قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: أفتحبه لخالتك قال: لا والله جعلني الله فداءك قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم، قال: فوضع يده عليه وقال: اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء" (الألباني - المصدر: السلسلة الصحيحة).
النساء ترث ولا تُورث
في الجاهلية كانت النساء مثل المتاع أو أي شيء في المنزل تورث بعد وفاة زوجها، وكانت المرأة لا ترث، فجاء الإسلام وجعل للمرأة مكانتها وحرم ما كان في الجاهلية وجعل لها استقلاليتها وحرم ما كان في الجاهلية جعل لها نصيباً في ميراث أقاربها.
الحجاب تكريم وحماية للمرأة  
الحجاب حماية للبنات والنساء "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا" (59) (الأحزاب)،  والتبرج من الجاهلية، والحجاب تقدم ورقي وتكريم للنساء" وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ" (من الآية 33: سورة الأحزاب).
الثواب والعقاب يوم القيامة
الأنثى لها ثواب من يوم القيامة مثل الذكور يقول الله عز وجل "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (النحل: 97)، "إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا" (الأحزاب: 35)، "لِّيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا" (الفتح: 5)، وفي العقاب يوم القيامة الأنثى تعاقب مثل الذكور "لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا" (الأحزاب: 73)، "وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ۚ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ۖ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا" (الفتح: 6).
الأنثى والاحتفاظ باسمها بعد الزواج:
لا يتغير اسم الزوجة بعد زواجها وتحتفظ باسم ابيها واسرتها بينما في حضارات حديثة وقديمة يتغير اسم الزوجة ولقب عائلتها إلى لقب عائلة الزوج "ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ" (من الآية 5: سورة الأحزاب)، وهذا يمثل استقلالية للزوجة وتكريماً لها.
نساء مبشرات بالجنة
ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء مبشرات بالجنة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال "أتى جبريلُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ اللهِ، هذه خديجةُ قد أَتَتْ، معها إناءٌ فيه إِدامٌ أو طعامٌ أو شرابٌ، فإذا هي أَتَتْكَ فاقَرِأْ عليها السلامَ مِن ربِّها ومنِّي، وبِشِّرْهَا ببيتٍ في الجنةِ مِن قَصَبٍ لا صَخَبٌ فيه ولا نصبٌ " (صحيح البخاري) - بيت من قصب: مِن لؤلؤٍ مُجوَّفٍ وياقوتٍ - لا صخَبَ فيه ولا نَصبَ: لا صِياحَ فيه مِن صِياحِ أهلِ الدُّنيا، ولا تَعبَ يُصيبُ ساكنَه. و "عن عبد الله ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضلُ نساءِ أهلِ الجنةِ خديجةُ بنتُ خويلدٍ، وفاطمةُ بنتُ محمدٍ، ومريمُ بنتُ عمرانَ، وآسيةُ بنتُ مزاحمٍ، امرأةُ فرعونَ" (الألباني: صحيح الجامع، والنسائي: السنن الكبرى).
الأنثى والعلم
من حق الأنثى أن تتلقى العلم: نرى ذلك واضحاً في الحديث الشريف التالي: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال جاءَتِ امرأةٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ: "يا رسولَ اللهِ، ذهَب الرجالُ بحَديثِك، فاجعَلْ لنا من نفسِك يومًا نأتيك فيه، تُعَلِّمُنا مما علَّمك اللهُ، فقال: (اجتَمِعنَ في يومِ كذا وكذا، في مكانِ كذا وكذا). فاجتَمَعنَ، فأتاهنَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فعلَّمهنَّ مما علَّمه اللهُ، ثم قال: (ما منكنَّ امرأةٌ تُقَدِّمُ بين يدَيها من ولَدِها ثلاثةً، إلا كان لها حجابًا منَ النارِ). فقالتِ امرأةٌ منهنَّ: يا رسولَ اللهِ؟ اثنينِ؟ قال: فأعادَتْها مرتينِ، ثم قال: واثنينِ واثنينِ واثنينِ" (متفق عليه). بل واجب على المرأة كما هو واجب على الرجل تلقي العلم الذي يفيد في الآخرة والدنيا.
ومن حق الأنثى تدريس العلم: فزوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم قمن برواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أكثر زوجاته رواية للحديث السيدة عائشة رضي الله عنها.
المرأة وبيعة العقبة:
كان وفد بيعة العقبة الثانية به اثنتين من النساء، هما: نسيبة بنت كعب (أم عمارة)، وأسماء بنت عمر (أم نسيب)، ومن ثم المرأة في الإسلام لها حق المبايعة والانتخاب.
المرأة ورجاحة عقلها
       أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها كان له من رجاحة العقل ما جعلها تساند الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في أول أيام نزول الوحي، وتؤدي دوراً في ثبات قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسانده في أول سنوات الرسالة، وموقف أم المؤمنين أم سلمة ورأيها السديد في صلح الحديبية التي قالته لرسول الله صلى عليه وسلم وأخذ برأيها وخرج على المسلمين ونحر، وحلق، وقلده من كان معه من المسلمون. المرأة لها رأي ومشورة وعقل وتفكير يجب أن يحترمه الرجال.
الأنثى والاشتراك في الجهاد:
في الجيوش الإسلامية لمداواة الجرحى ويشتركن في الحروب إذا لزم الأمر، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: "كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمُ يغزُو بأمِّ سُلَيمٍ، ونسوةٌ من الأنصارِ معه إذا غزا فيسقِين الماءَ ويُداوين الجَرْحى" (صحيح مسلم)، وأم عمارة (نسيبة بنت كعب) إلى جانب دورها في إسعاف المرضى كانت أول محاربة في الإسلام حيث شاركت في الحرب عزوة أحد عندما اشتد القتال، وشاركت كذلك في حروب الردة .
الوفاء بعد الوفاة:
بر الأم لا ينقطع بعد الوفاة، نجد ذلك في الحديث الشريف الذي يرويه أبو أسيد الساعدي مالك بن ربيعة أن رجلًا قال: يا رسولَ اللهِ هل بقِيَ من برِّ أبويَ شيءٌ أبرُّهما به بعدَ موتِهما؟ قال: نعم، الصلاةُ عليهما والاستغفارُ لهما وإنفاذُ عهدِهما من بعدِهما وإكرامُ صديقِهما وصلةُ الرحمِ التي لا تُوصَلُ إلا بهما" (مجموع فتاوي ابن باز).  الصلاة عليهما بمعنى الدعاء لهما.
الوفاء للزوجة بعد وفاتها نتعلمه من الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث قالت عائشة أم المؤمنين "ما غِرتُ على أحدٍ من نساءِ النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما غِرتُ على خديجةَ، وما رأيْتُها، ولكن كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُكثرُ ذِكرَها، وربما ذبح الشاةَ، ثم يُقَطِّعُها أعْضاءً، ثُمَّ يَبْعَثُها في صَدائِقِ خديجَةَ، فربما قُلْت له: كأنهُ لم يكُن في الدنيا امرأةٌ إلا خديجةُ، فيقول: إنها كانت، وكانت، وكان لي منها ولدٌ" (متفق عليه).
 الإسلام كرم الأنثى في جميع مراحل حياتها وأعطى لها حقوقها وحفظها، مولدها خبر سعيد ولها حقوقها بنت وزوجة وأم، ولها مكانتها في المجتمع.

الخميس، 19 يوليو 2018

الخوف

الخوف قد يكون سبباً للفوز في الآخرة ودخول الجنة وقد يكون سبباً لدخول النار، الخوف قد يكون خوف من الله، وقد يكون خوف مما سواه، الخوف قد يكون إيجابياً يؤدي إلى العمل وقد يكون سلبياً يمنع العمل، الخوف قد يسبب النجاح، وقد يؤدي إلى الفشل.
الخوف
بقلم: د. زياد موسى عبد المعطي
الخوف قد يكون سبباً للفوز في الآخرة ودخول الجنة وقد يكون سبباً لدخول النار، الخوف قد يكون خوف من الله، وقد يكون خوف مما سواه، الخوف قد يكون إيجابياً يؤدي إلى العمل وقد يكون سلبياً يمنع العمل، الخوف قد يسبب النجاح، وقد يؤدي إلى الفشل.
الخوف عندما يكون دافع للعمل وتحسين الأداء وجودة العمل فهو خوف إيجابي ومحمود، أم إذا كان عكس ذلك بأن يكون خوف يدفع إلى عدم العمل أو تقليل جودة العمل فهو خوف سلبي وغير محمود.
الخوف من الله والتقوى
الخوف من الله عز وجل الذي يدفع إلى العمل الصالح هو خوف يدفع إلى الجنة، حيث يقول الله عز وجل في محكم آياته "إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" (آل عمران: 175)،  “رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ" (النور: 37)، "وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ " (الرعد: 21).
       والتقوى هي الخوف من الله الذي يدفع إلى العمل الصالح، والتقوى عرفها الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأنها "الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل"، وعرف تقوى الله الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود بأنها " أن يطاع فلا يعصي ويذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر"، والله عز وجل يأمرنا بالتقوى وأن نخافه وأن نتقيه ، حيث يقول سبحانه وتعالى "وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ" (البقرة: 41)، ويأمرنا عز وجل أن نخاف من عذابه "فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ" (البقرة: 24)، وإن ربنا سبحانه وتعالى يرشدنا إلى الخوف مما يحدث يوم القيامة والاستعداد لهذا اليوم  "وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ" (البقرة: 123)، ويصف الله عباده الصالحين "تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ" (السجدة: 16)، والله يحب عباده المتقين حيث يقول سبحانه وتعالى "بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَىٰ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ" (آل عمران: 76)، "إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ" (التوبة: 4) 
ويقول الشاعر عن التقوى
خل الذنوب صغيرها               وكبيرها فهو التقي
واصنع كماش فوق أرض        الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة              إن الجبال من الحصى
الجنة جزاء المتقين
       من يخاف الله في الدنيا ويعمل صالحاً، لا يخاف العذاب يوم القيامة، يقول سبحانه وتعالى "يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ" (الزخرف: 68)، "يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" (الأعراف: 35)،
وجزاء المتقين دخول الجنة يوم القيامة "إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ" (القلم: 34)، "إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ" (الحجر: 45)  "وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ" (الشعراء: 90)، "وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ" (ق: 31) "وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ" (آل عمران: 133)  "وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ" (النحل: 30).
الخوف من الموت
كل إنسان سوف يموت، والخوف من الموت يجب أن يكون دافعاً للعمل الصالح استعداداً للحساب يوم القيامة، " كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور"ِ (آل عمران: 185). 
الخوف من الموت بالأمراض يدفع البشرية للاهتمام بالطب والعلوم المرتبطة به لتقليل الوفيات الناتجة عن الأمراض.
الله عز وجل حرم القتل، وجعل الله عز وجل قتل نفس بغير ذنب من الكبائر.  الخوف من الموت يدفع المجتمعات لتنظيم القوانين لتشديد العقوبات على القتل.
في الحروب عدم الخوف من الموت أحد أسباب انتصار المسلمين في الحروب، وذلك لأن المسلمين يحاربون من أجل النصر أو الشهادة، والشهيد في الجنة إن شاء الله، فالهدف الأول إذا كانت الحروب ضرورية هو النصر، وإذا قدر الله الموت، فالمسلمين لا يهابون الموت في الحروب.
الخوف جند من جنود الله:
الخوف والرعب جند من جنود الله يلقيه في قلوب المشركين وينصر الله به المؤمنين، يقول الله عز وجل "إذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ" (الأنفال: 12)، "سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ" (آل عمران: 151)، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " نصرتُ بالرعبِ وأُوتيتُ جوامِعَ الكلمِ" (صحيح مسلم).
الخوف والأمن
الخوف على النفس والمال من الأشياء الغير مرغوب فيها في الدنيا، ولذلك من مقاصد الشريعة "حفظ الدين والنفس والعقل والنسل أو النسب والمال"، فالإسلام كفل حرية العبادة والاعتقاد، فلا يجبر إنسان على دخول دين الإسلام، وحرم الله عز وجل كل ما يضر بالنفس، وجعل قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق من الكبائر، وحرم الله الانتحار، وحرم الله كل ما يضر بالعقل ويسبب غيبة العقل، وحرم الله ما يضر بالنسل وحم الزنا وأحل الزواج، وحرم الله كل ما يضر بالمال والملكية الخاصة. في سورة قريش ذكر الله نعمة الأمن وعدم الخوف "لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)" (سورة قريش). وفي نعمة الأمن وعدم الخوف يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ""مَنْ أصبَحَ منكمْ آمنًا في سِرْبِهِ، معافًى فِي جَسَدِهِ، عندَهُ قوتُ يومِهِ، فكأنَّما حِيزَتْ لَهُ الدنيا بحذافِيرِهَا" (الألباني - صحيح الجامع)، ولذلك فنعمة الأمن والأمان نعمة كبيرة من الله لمن يتمتع بها.
الخوف من القانون
       الخوف من الله هو الأساس في حياة المسلم، ومن لم يمنعه ضميره ووازعه الديني عن فعل الخطأ فإنه يخاف ويخشى من القوانين، فتطبيق القوانين بعدالة وحزم من أهم الأشياء لتقدم ورقي الدول، ويقول الله عز وجل "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا"  (النساء: 58) ، ومن الحكم المأثورة "العدل أساس الملك"، فمثلاً يخاف الناس من القيام بالسرقات أو التزوير أو غيرها خوفاً من تطبيق القوانين عليهم، والخوف من الغرامات وعقوبات المفروضة على مخالفات المرور تؤدي دوراً مهماً في ضبط المرور. 
الخوف وقلوب الأنبياء والصالحين:
       يثبت الله قلوب الأنبياء والصالحين، ويطمئنهم ويذهب عن قلوبهم الخوف، وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة في هذا المعنى، ومما ذكر في القرآن في ذلك ما يلي:
ثبت الله قلب النبي لوط عليه السلام "وَلَمَّا أَن جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ" (العنكبوت: 33).
وقلب أم موسى أذهب الله عنه الخوف "وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ" (القصص: 7).
وموسى عليه السلام أذهب الله عنه الروع والخوف في أكثر من موضع في القرآن الكريم، "قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ ، قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ ، فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَىٰ مَنِ اتَّبَعَ  الْهُدَىٰ" (طه 45 - 47).   "وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ" (القصص: 31) ، "وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ"  (طه: 77).
وربط الله على قلب خاتم الأنبياء والمرسلين وأبو بكر صاحبه في غار حراء "إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" (التوبة: 40) 
الخوف من الفشل
       الخوف قد يكون سبباً في التردد وعدم العمل بسبب ما قد يتصوره البعض صعب أو مستحيل، والخوف قد يدفع لعدم العمل أو خوض تجربة جديدة في الحياة خوفاً من الفشل. وهذا افتراض خاطئ، فلا يوجد شيء سهل بدون تخطيط ومجهود وتعب، والصعب يمكن تحقيقه بالاجتهاد وبذل المزيد من المجهود.
       الخوف من الفشل قد يكون دافع قوي للنجاح وتحقيق الأهداف، فالخوف من الفشل يدفع إلى العمل الجاد الدؤوب لتحقيق النجاح.
       الخوف من شماتة الأعداء، وشماتة الشامتين من غير المحبين والكارهين، قد يكون دافعاً قوياً للنجاح.
       الخوف مما هو جديد قد يمنع من الإقدام على العمل، فيجب عدم الخوف من تجارب جديدة، فالجديد قد يفيد.
       الخوف مما نجهل قد يدفعنا لعدم العمل، فيجب تعلم ما يفيد، فالعلم فيه كل يوم جديد، والعالم يتقدم، فيجب عدم التوقف عن تعلم ما هو جديد ومفيد.
       أما الخوف الذي يدفع لعدم العمل ويمنع من النجاح نتيجة عدم الثقة بالنفس والتردد فهو خوف مرضي يجب التخلص منه، والخوف الزائد عن الحد قد يسبب أمراض عضوية.
       أحياناً يكون عدم الخوف نوع من الغرور أو عدم الاهتمام مما قد يؤدي إلى الإهمال، فالخوف المطلوب خوف ممزوج بالثقة بالنفس يؤدي للاهتمام بالعمل والإصرار على النجاح.
الخوف من المستقبل
الخوف من المستقبل قد يسبب أزمة نفسية للبعض، فيجب عدم الخوف من المستقبل وعلينا التخطيط للمستقبل، والعمل المتواصل لنستمتع بمستقبل أفضل.
نتعلم من دين الإسلام ألا نخاف من المستقبل، وأن نجتهد في العمل الصالح، وأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، يقول الله عز وجل "قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ" (التوبة: 51).  وفي السنة النبوية ما يعلمنا عدم الخوف من المستقبل، ومما أجده يدل على ذلك الحديث الشريف الذي يرويه عبد الله بن عباس "كنتُ خلفَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يومًا قال يا غلامُ، إني أعلِّمُك كلماتٍ: احفَظِ اللهَ يحفَظْك، احفَظِ اللهَ تجِدْه تُجاهَك، إذا سألتَ فاسألِ اللهَ، وإذا استعنْتَ فاستعِنْ باللهِ، واعلمْ أنَّ الأمةَ لو اجتمعتْ على أن ينفعوك بشيءٍ، لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه اللهُ لك، وإنِ اجتمعوا على أن يضُرُّوك بشيءٍ لم يضُروك إلا بشيءٍ قد كتبه اللهُ عليك، (رُفِعَتِ الأقلامُ وجَفَّتِ الصُّحُفَ)" (الترمذي – حديث صحيح). فعلينا أن نعلم أنه لن يحدث في الكون إلا ما أراده رب الكون وخالقه، علينا أن نعمل ونجتهد، ونعلم أن قدر الله كله خير.
ندعو الله أن يرزقنا الخوف منه سبحانه وتعالى، وأن يرزقنا العمل الصالح، وأن يرزقنا الأمن في الدنيا، والأمن وعدم الخوف في الآخرة، ودخول أعلى الجنان تحت عرش الرحمن.

الأربعاء، 18 يوليو 2018

الكلمة مسئولية

        كلمات تدخلنا في الإسلام، كلمات قد تجعلنا كفار، وكلمة قد تدخلنا الجنة وكلمة قد تدخلنا النار، القرآن معجزة خاتم الأنبياء هو كلام الله، وكلمات كأشجار تثمر، كلمات قد تشعل حرباً، كلمات تكسب بها حب الناس، كلمات تشكل وعياً، الكلمة مسئولية، فاختر كلماتك بعناية، كلمات يصدقها العمل تخرج من القلب، الكلمة مسئولية، الكلمة المسموعة والمكتوبة.
الكلمة مسئولية 
بقلم: د. زياد موسى عبد المعطي
        كلمات تدخلنا في الإسلام، كلمات قد تجعلنا كفار، وكلمة قد تدخلنا الجنة وكلمة قد تدخلنا النار، القرآن معجزة خاتم الأنبياء هو كلام الله، وكلمات كأشجار تثمر، كلمات قد تشعل حرباً، كلمات تكسب بها حب الناس، كلمات تشكل وعياً، الكلمة مسئولية، فاختر كلماتك بعناية، كلمات يصدقها العمل تخرج من القلب، الكلمة مسئولية، الكلمة المسموعة والمكتوبة.
الكلمة تدخلنا الإسلام
كلمات تدخلنا الإسلام، وأول أركان الإسلام، وهي أن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " بنيَ الإسلامُ علَى خمسٍ شهادةِ أن لا إلَه إلَّا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ وإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وصومِ رمضانَ وحجِّ البيتِ" (متفق عليه)، شهادة يرفعها كل مؤذن ينادي لكل صلاة، شهادة نتلوها كل صلاة في التحيات.
الكلمة قد تٌدخل الجنة، وكلمة قد تٌلقي في النار:
كل ما نتكلم به يكتب في صحائفنا "ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد" (ق: 18)، الكلمة مهمة ترفعنا درجات في الجنة أو تُهوي دركات في النار، ففي الحديث الشريف  يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنَّ العبدَ ليتكلَّمُ بالكلمةِ من رضوانِ اللهِ، لا يُلقي لها بالًا، يرفعُ اللهُ بها درجاتٍ، وإنَّ العبدَ ليتكلَّمُ بالكلمةِ من سخطِ اللهِ، لا يُلقي لها بالًا، يهوي بها في جهنَّمَ" (صحيح البخاري)، فإذا لم تكن الكلمات سنجني منها الحسنات فالأفضل أن نلوذ بالصمت لكي لا تكتب علينا سيئات، حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "من كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فليقُلْ خيرًا أو ليصمُتْ" (رواه أبو هريرة – متفق عليه).
حصاد اللسان:  
ما ينطق به اللسان قد يرفع درجات في الجنة وقد يهوي بصاحبه في النار، نجد ذلك في الحديث الشريف الذي يرويه معاذ بن جبل أنه قال "يا نبيَّ اللهِ وإنا لمَؤاخَذون بما نتكلَّم به؟ قال : ثَكِلَتْك أُمُّك ، وهل يَكبُّ الناسَ في النارِ على وجوهِهم – أو قال: على مناخرِهم إلا حصائدُ أَلسنِتِهم؟" (الألباني - صحيح الترغيب)، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا أصبحَ ابنُ آدمَ فإنَّ الأعضاءَ كلَّها تُكفِّرُ اللِّسانَ فتقولُ اتَّقِ اللَّهَ فينا فإنَّما نحنُ بِك فإن استقمتَ استقمنا وإن اعوججتَ اعوججنا" (صحيح الترمذي)
الكلمة شجرة تثمر:
 الكلمة الطيبة شجرة تثمر وتؤتي ثمارها لسنين كل حين، ويجني صاحبها حسنات منها، والكلمة الخبيثة كشجرة خبيثة، يقول الله سبحانه وتعالى " أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ، يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ " (سورة إبراهيم:24-27) (مقالة بعنوان: الكلمة الطيبة شجرة تثمر - لقراءة المقالة اضغط هنا)
الكلمة صدقة ننفقها
الكلمة صدقة ننفقها نجني منها الحسنات، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "الكلمةُ الطيبةُ صدقةٌ" (من حيث رواه أبو هريرة – صحيح – متفق عليه).
الصدق والكذب
يأمرنا الله بالصدق حيث يقول الله سبحانه وتعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ" (التوبة: 119)، والصادقين جزاءهم الجنة يوم القيامة " قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ " (المائدة: 119). يجب أن نتحرى الصدق ونتجنب الكذب فالصدق يهدي إلى الجنة والكذب يٌلقي في النار، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "عليكم بالصِّدقِ. فإنَّ الصِّدقَ يهدي إلى البرِّ. وإنَّ البرَّ يهدي إلى الجنَّةِ. وما يزالُ الرَّجلُ يصدُقُ ويتحرَّى الصِّدقَ حتَّى يُكتبَ عند اللهِ صِدِّيقًا. وإيَّاكم والكذِبَ فإنَّ الكذِبَ يهدي إلى الفجورِ. وإنَّ الفجورَ يهدي إلى النَّارِ. وما يزالُ الرَّجلُ يكذِبُ ويتحرَّى الكذِبَ حتَّى يُكتبَ عند اللهِ كذَّابًا" (صحيح مسلم).
الكلمة والنفاق:
        كلمات ينطقها الإنسان قد تجعله من المنافقين، وصفات المنافق يخبرنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم "آيةُ المنافِقِ ثلاثٌ: إذا حدَّثَ كذَبَ، وإذا وعَدَ أخلَفَ، وإذا اؤتُمِنَ خانَ" (رواه أبو هريرة - صحيح البخاري)، والمنافين يوم القيامة في الدرك الأسفل من النار "إنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا " (النساء: 145).
"القرآن" كلام الله
        القرآن الكريم معجزة خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم أرسله الله رحمةً للعالمين،
معجزة خاتم الأنبياء وسيد المرسلين "القرآن" كلام الله، القرآن تحدى الله به الإنس والجن أن يأتوا بمثله، ويقول الله سبحانه وتعالى " وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ " (البقرة: 23)، " أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" (يونس: 38). كتاب الله المعجز فيه من اعجاز قصصي وتاريخي، وإعجاز تشريعي، وإعجاز علمي وغير ذلك من صور الإعجاز ما لا ينضب عبر الماضي والحاضر والمستقبل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
       كتاب الله نقرأه ونتدبره، ونعمل به فنجني الحسنات ونعلو في الجنة درجات، حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه" (صحيح مسلم)، "من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول (الم) حرف ولكن: ألف حرف ولام حرف، وميم حرف). (صحيح الترغيب: الألباني)، "يقال لصاحب القران اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها). (صحيح الجامع-الألباني، وصحيح ابن حبان).
الكلمة تنشر علماً:
كلمات تنشر علماً يرفعنا الله بسببها في الجنة الدرجات، يقول الله عز وجل "يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ" (المجادلة: 11)،  ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم. فمن أخذه أخذ بخطٍ وافرٍ" (صحيح الترمذي).
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
أمرنا الله عز وجل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أكثر من موضع في القرآن الكريم، ومنها قوله سبحانه وتعالى: ""كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ" (آل عمران: 110)، "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " (التوبة: 71)، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والَّذي نَفسي بيدِهِ لتأمُرُنَّ بالمعروفِ ولتَنهوُنَّ عنِ المنكرِ أو ليوشِكَنَّ اللَّهُ أن يبعثَ عليكُم عقابًا منهُ ثمَّ تَدعونَهُ فلا يَستجيبُ لَكُم" (صحيح الترمذي).  "الدِّينُ النَّصيحةُ قلنا: لمن؟ قال: للَّهِ ولكتابِهِ ولرسولِهِ ولأئمَّةِ المسلمينَ وعامَّتِه " (صحيح مسلم)
الكلمة يصدقها العمل
يجب أن تكون الكلمة صادقة نابعة من القلب، وأن الكلمة يصدقها العمل، حيث يقول الله عز وجل "أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ" (البقرة: 44). ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "يُجاءُ برجلٍ فيُطرَحُ في النارِ، فيُطحَنُ فيها كطَحنِ الحِمارِ برَحاه، فيُطيفُ به أهلُ النارِ فيقولونَ: أيُ فلانُ، ألستَ كنتَ تأمُرُ بالمعروفِ وتَنهى عنِ المُنكَرِ؟ فيقولُ: إني كنتُ آمُرُ بالمعروفِ ولا أفعَلُه، وأنهى عنِ المُنكَرِ وأفعَلُه). صحيح البخاري).
        ومن درر الشعر العربي أبيات قالها أبو الأسود الدؤلي:
يا أيها الرجلُ المعلّم غيره .... هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصفُ الدّواءَ لذي السّقام وذي الضّنى.. كيما يصحُّ به وأنت سقيم
وأراك تصلحُ بالرّشاد عقولنا ... أبداً وأنت من الرّشاد عقيم
لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله.... عارٌ عليك إذا فعلت عظيم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها .... فإذا انتهتْ عنه فأنت حكيم
فهناك يقبلُ ما وعظتَ ويقتدى .... بالعلم منك وينفع التّعليم
الكلمة تشكل وعياً:
        الكلمة تشكل الوعي لدى عامة الناس، فوسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة تشكل ثقافة عامة الشعوب، كلمات تصنع وعياً، وقد يغيب إعلام غير صادق عقول ووعي شعوب. فعلى العاملين في مجال الإعلام تحري الأمانة والدقة ومراعاة مرضاة الله في أعمالهم.
        كلمات قد تجذب أنظار وتجلب إقناع، كلمات تلقى بصدق وحماس تؤتي مفعول السحر في النفوس، كلمات تخرج من القلب تصل إلى القلب، وكلمات لا تخرج من القلب، تلقى بفتور لا تتعدى غير الأذن ولا تؤثر فيمن يتلقى الكلمات.
الكلمة المكتوبة:
الكلمة المكتوبة عمرها قد يكون أطول من عمر صاحبها، كلمات قد يجني منه حسنات، وقد يندم عليها وقد يكون وقت التعديل قد فات، وكما قال الشاعر:
كـتبت وقـد أيقـنـت يوم كتابتـي ..... بـأن يـدي تفنـى ويبـقى كتابها
فإن عملت خيراً ستجزى بمثله ...... وإن عملت شراً على حسابها
 تأثير الكلمة:
        كلمات قد تجلب حب الناس، وكلمات قد تسبب كراهية الناس، كلمات قد تشفي قلوباً قد مرضت وكلمات تسبب جروحاً في الأنفس قد لا تشفيها كلمات.
كلمات ترفع مقام صاحبها في الآخرة والأولى درجات وكلمات قد تنزله دركات.
الكلمة قد تتسبب في الترقي في العمل أو قد تتسبب في عزل مسئولين من مناصبهم.
الكلمة قد تسبب صلح بين الناس، وقد تسبب الكلمة فراق وصراع وشقاق
الكلمة قد تجلب السلام بين الدول، وقد توقد نيران الحروب بين الشعوب.
الكلمة مسئولية وأمانة، ندعو الله أن يرقنا كلمات صالحة تخرج من قلوبنا خالصة لوجهه الكريم، يصدقها عمل صالح يكتب في ميزان صالح أعمالنا.

الاثنين، 16 يوليو 2018

ضع نفسك مكان الآخر

       "ضع نفسك مكان الآخر" منهج إسلامي تربوي إذا طبقه البشر فإنه سيتم حل مشاكل العالم، ولأصبحنا في المدينة الفاضلة. إذا وضع كل منا نفسه مكان الآخر فسينصلح حال الدنيا، قبل أن يتخذ أحداً قراراً في معاملاته يجب عليه أن يفكر في الآخرين ويتصور نفسه في موقع من سوف يتضرر أو يستفيد من أقواله أو قراراته أو أفعاله، وهذه محاولة لإلقاء الضوء على هذا المنهج التربوي فيما يلي:
ضع نفسك مكان الآخر
د. زياد موسى عبد المعطي 
       "ضع نفسك مكان الآخر" منهج إسلامي تربوي إذا طبقه البشر فإنه سيتم حل مشاكل العالم، ولأصبحنا في المدينة الفاضلة. إذا وضع كل منا نفسه مكان الآخر فسينصلح حال الدنيا، قبل أن يتخذ أحداً قراراً في معاملاته يجب عليه أن يفكر في الآخرين ويتصور نفسه في موقع من سوف يتضرر أو يستفيد من أقواله أو قراراته أو أفعاله، وهذه محاولة لإلقاء الضوء على هذا المنهج التربوي فيما يلي:
عن أنس ابن مالك رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي).  ولفظ أخيه هنا ليس مقصور على الأخ في النسب، بل الأخوة هنا تشمل الأخوة في الإسلام، بل أيضاً الأخوة في البشرية، فما لا يحبه الإنسان لنفسه لا يحبه لغيره من البشر.
وفي حديث آخر يوضح الرسول الكريم هذا المنهج الإسلامي، عن أبو أمامة الباهلي: "إن فتى شاباً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا : مه مه فقال : ادنه فدنا منه قريبا قال: فجلس قال : أتحبه لأمك ؟ قال : لا والله جعلني الله فداءك قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم قال: أفتحبه لابنتك قال : لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك قال : ولا الناس يحبونه لبناتهم قال: أفتحبه لأختك قال : لا والله جعلني الله فداءك قال : ولا الناس يحبونه لأخواتهم قال : أفتحبه لعمتك قال : لا والله جعلني الله فداءك قال : ولا الناس يحبونه لعماتهم قال : أفتحبه لخالتك قال : لا والله جعلني الله فداءك قال : ولا الناس يحبونه لخالاتهم قال: فوضع يده عليه وقال: اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء" (الألباني - المصدر: السلسلة الصحيحة - الصفحة أو الرقم1/712).
وفي هذا الصدد أنشد الإمام الشافعي هذ الأبيات:
عفوا تعف نساؤكم في المحرم ..... وتجنبوا ما لا يليق بمسلم
إن الزنا دين فإن أقرضته ..... كان الوفا من أهل بيتك فاعلم
يا هاتكا حرم الرجال وقاطعا ..... سبل المودة عشت غير مكرم
لو كنت حرا من سلالة ماجد ..... ما كنت هتاكا لحرمة مسلم
من يزن يزن به ولو بجداره ..... إن كنت يا هذا لبيبا فافهم
من يزن في قوم بألفي درهم ..... يزن في أهل بيته ولو بالدرهم
وإذا تعامل الفرد مع والديه فيجب أن يضع المرء نفسه مكان والديه في الكبر، وأن يبرهم في الكبر، وهو بذلك يقدم المثل والقدوة لأبنائه الذين يشاهدونه يبر والديه، وسوف يقلدونه بعد ذلك ويبرونه في الكبر، وفي ذلك نجد الحديث الشريف الذي يرويه عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "بروا آباءكم تبركم أبناءكم وعفوا تعف نساؤكم" (حديث حسن، رواه المنذري - المصدر: الترغيب والترهيب - الصفحة أو الرقم: 3/294)، وكذلك عند معاملة الوالد أو الوالدة مع الأبناء يجب أن يتخيل نفسه أو تتخيل نفسها مكان الأبناء ويعاملونهم بالحسنى، ويعاملونهم كما كانوا يتمنون أن يعاملهم آبائهم.
والمعاملة بين الزوجين يجب أن تكون بالحسنى، عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال" خيرُكم خيرُكم لأهلِه وأنا خيرُكم لأهلي" (حديث صحيح – صحيح ابن حبان)، فمما قرأته أن زوجة قالت لزوجها عندما كان يداعب ابنتهما الصغيرة، ما شعورك عندما تكبر ابنتنا ويسيء زوجها معاملتها، فأخبرها أن ذلك بالطبع يحزنه، فقالت الزوجة كذلك إذا أسأت معاملتي فإن ذلك يحزن أبي، فيجب عليك أن تحسن معاملتي كما تتمنى أن يحسن زوج ابنتك في المستقبل معاملتها. وبالمثل يجب على الزوجة أن تحسن معاملة زوجها كما تتمنى أن تحسن زوجة ابنها معاملة ابنها، وعلى الزوجة أن تحسن معاملة أم زوجها كما تحب أن تعاملها زوجة ابنها في المستقبل عندما تكون في نفس الموقف.
وحرم الله الظلم على نفسه وينهانا الله عن الظلم، وفي الحديث القدسي الذي يرويه أبو ذر الغفاري عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فيما روى عن اللهِ تبارك وتعالى أنَّهُ قال "يا عبادي! إني حرَّمتُ الظلمَ على نفسي وجعلتُه بينكم محرَّمًا" (صحيح مسلم)، إذا كنت رئيساً في عملك فتخيل نفسك مكان مرؤوسك، وتذكر نفسك وأنت في بداية سلمك الوظيفي، وأصدر تعليمات تناسب موظفيك وتناسب قدراتهم، وإذا كنت مرؤوس وتطالب بأشياء من رئيسك في العمل فتخيل نفسك مكان رئيسك في العمل وهل في مقدوره تنفيذ مطالبك، وتخيل الضغوط والواقعة عليه وهل هذا الطلب منطقي من وجهة نظره.
إذا كنت حاكماً على قرية أو مدينة أو محافظة أو دولة فتخيل نفسك مكان المحكومين وعاملهم كما تحب أن يعاملك به الحاكم قل أن تكون في منصبك، وإذا كنت محكوم فتخيل نفسك مكان الحاكم ولتعلم أن تحقيق المطالب لا يأتي بين يوم وليلة ولتطالب بمطالب في الإمكان تحقيقها.
وإذا كنت من الأغنياء واحتاج أحد الفقراء منك مساعدة مادية، وأنت متأكد أنه فعلاً محتاج وليس متسول أو محتال، وكان بإمكانك مساعدته، فضع نفسك مكان المحتاج، وقدم مساعدتك له، وإذا كنت فقير فتخيل نفسك مكان الثري الذي عليه التزامات كأجور العاملين في محلاته أو شركاته وتخيل الأعباء النفسية الواقعة عليه.
 بل أكثر من ذلك يدلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدعاء لأخيك بظهر غيب يجعل الملائكة تدعو للمسلم بمثل دعائه. عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، إِلاَّ قَالَ الْمَلَكُ: وَلَكَ بِمِثْلٍ» (صحيح مسلم)
جعل الله عز وجل قضاء حوائج الناس من صالح الأعمال التي تدخل الجنة وتنجي من النار، ففي الحديث الشريف عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ، مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ" (صحيح مسلم)، وعن عبد الله بن عمر أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال "المسلمُ أخو المسلمِ، لا يَظْلِمُه ولا يُسْلِمُه، ومَن كان في حاجةِ أخيه كان اللهُ في حاجتِه، ومَن فرَّجَ عن مسلمٍ كربةً فرَّجَ اللهُ عنه كربةً مِن كُرُبَاتِ يومِ القيامةِ، ومَن ستَرَ مسلمًا ستَرَه اللهُ يومَ القيامة " (متفق عليه).
ندعو الله العلي القدير أن يرزقنا العمل الصالح، وأن يرزقنا معاملة مع الناس كما نحب أن يعاملونا.

الكلمات الدالة: الإسلام – المعاملة – أب – ابن – زوج – زوجة – حاكم – محكوم – الناس – شاب – حاجة –  أغنياء