أمر المؤمن كله خير -->

أمر المؤمن كله خير

أمر المؤمن كله خير
د. زياد موسى عبد المعطي
          الوجه الآخر للمحنة منحة إلهية، ولعل ما حدث وما يحدث وما سوف يحدث في حياتنا مما نكرهه ولا نحبه سوف نجد فيه خيراً كثيراً. قد نعلم حكمة الله بعد حين، وقد لا نعلمها، ونحن نؤمن أن الله عز وجل هو العليم الحكيم يجعل الأقدار تجري لحكم هو يعلمها سبحانه وتعالى.
يقول الله عز وجل "وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" (من الآية 216 – سورة البقرة)، ويقول سبحانه وتعالى "فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا " (من الآية 19 – سورة النساء)، الله سبحانه وتعالى علام الغيوب يعلم ونحن لا نعلم حكمته عز وجل في ما يحدث لنا مما نكره من أحداث، وبعد فترة من الزمن قد يتبين لنا الحكمة من هذه الأحداث، ونحمد الله كثيراً على ما كنا نظن أنه شراً لنا وكان فيه الخير الكثير.
       في ذلك يقول رسول الله يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عجبًا لأمرِ المؤمنِ، إن أمرَه كلَّه خيرٌ، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمنِ، إن أصابته سراءُ شكرَ، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراءُ صبر، فكان خيرًا له" (صحيح مسلم). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من عبدٍ تصيبُه مصيبةٌ فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهمَّ أْجُرْني في مصيبتي وأَخلِفْ لي خيرًا منها - إلا أجَره اللهُ في مصيبتِه. وأخْلَف له خيرًا منها" (صحيح مسلم).
وفي هذا المجال نجد في  القصص القرآني قصة الخضر مع نبي الله موسى عليه السلام عند تفسير الخضر ما فعله ولم يستطع موسى عليه السلام أن يفهم لماذا فعل ذلك " أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82) (سورة الكهف). فخرق السفينة أو قتل الغلام أو إقامة الجدار قدر الله فيه خيراً كثيراً.
وقال القاضي شريح - رحمه الله تعالى – "إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله - تعالى - عليها أربع مرات: إذا لم تكن أعظم مما هي، وإذا رزقني الصبر عليها، وإذا وفقني للاسترجاع لما أرجوه فيه من الثواب، وإذا لم يجعلها في ديني".
ومن أفضل ما قرأت في هذا الصدد قصة لأحد الملوك مع وزيره، حيث كان الوزير يكثر من قوله "لعله خير"، وخرج الوزير مع الملك في رحلة صيد، وخلال هذه الرحلة حدثت حادثة تسببت في قطع أحد أصابع الملك، فحزن الملك حزناً شديداً فقال له الوزير: "لعله خير"، فغضب الملك وأمر جنوده بالقبض على الوزير ووضعه في السجن، فقال الوزير: "لعله خير"، فاشتد غضب الملك أكثر على الوزير، وبعد فترة من الزمن خرج الملك في رحله صيد أخرى، وهجم جنود من قبيلة وثنية على حراسه، وألقوا القبض على الملك، وقرروا تقديم هذا الملك قرباناً لآلهتهم، وقرروا ذبحه، وعند تنفيذ قرارهم وجدوا أحد أصابع هذا الملك مقطوعة، فقالوا لن نقدم لآلهتنا قرباناً به عيب، فلم يذبحوه، وأطلقوا سراحه، فذهب الملك إلى قصره، وأمر حراسه بإحضار وزيره الذي كان قد أمر بحبسه، وقال له لقد صدقت عندما قلت "لعله خير" عند قطع أحد أصابعي، فقطع إصبعي أنقذني من قطع رقبتي، وأخبره بما كان من قبيلة الوثنيين الذين أسروه، وقال الملك لوزيره: لقد قلت عندما أمرت بسجنك "لعله خير"، وهذا ما لم أفهمه حتى الآن، فقال له الوزير السجن أنقذني أنا ايضاً من قطع رقبتي، فلو كنت معك في رحلة الصيد وتم أسري لقدموني قرباناً لآلهتهم، فليس لدي إصبع مقطوع . في هذه القصة قطع إصبع الملك أنقذ قطع رقبته، وسجن الوزير أنقذ رقبته.
ويقول الإمام الشافعي رحمه الله
دَعِ الأَيّامَ تَفعَلُ ما تَشاءُ     وَطِب نَفساً إِذا حَكَمَ القَضاءُ
وَلا تَجزَع لِحادِثَةِ اللَيالي        فَما لِحَوادِثِ الدُنيا بَقاءُ
فإذا تأمل كل منا في حياته لوجد أن في حياته أحداث قد مرت عليه أحداث لم يحب وقوعها، وحزن وقتها حزناً شديداً، وبعد فترة عندما يتأمل في شريط ذكرياته يجد أن هذا الحدث الذي كان محزناً أو مؤلماً بالنسبة له قد وجد فيه خيراً كثيراً، وبعض هذه الأحداث لم يدرك الشخص الحكمة الإلهية فيها.
       اعمل واجتهد لكي تنجح في الحياة، فإذا حدث ما لا تحب فاشكر الله عز وجل، وأدعو الله أن يبدلك خير مما حدث لك، واعلم أن الله قد قدر لك الخير، وقل "قدر الله وما شاء فعله" وقل "لعله خير".
ولمشاهدة محتوى المقالة عبر اليوتيوب اضغط هنا:
      وأقرأ أيضاً

 صناعة الأمل

 تفاءلوا يسعدكم الله

إن مع العسر يسرا

هناك تعليقان (2):