الأربعاء، 25 أكتوبر 2017

تقلب القلوب

تقلب القلوب
د. زياد موسى عبد المعطي
القلب يتقلب بين الكفر والإيمان، قلوب الأفراد وقلوب المجموعات، وقلوب الشعوب يمكن أن تتغير في لحظة، من النقيض إلى النقيض بإرادة الله سبحانه وتعالى، ويثبت الله قلوب المؤمنين.
قال أنس بن مالك رضي الله عنه: كانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يُكْثِرُ أن يقولَ: يا مُقلِّبَ القلوبِ ثبِّت قَلبي على دينِكَ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، آمنَّا بِكَ وبما جئتَ بِهِ فَهَل تخافُ علَينا؟ قالَ: نعَم، إنَّ القُلوبَ بينَ إصبُعَيْنِ مِن أصابعِ اللَّهِ يقلِّبُها كيفَ شاءَ" (صحيح الترمذي).
والسطور التالية أذكر فيها أمثلة لتحول القلوب للإيمان للأفراد والمجموعات والشعوب، وثبات القلوب التي هداها الله للإيمان على الحق.
تقلب قلوب الأفراد: الفاروق عمر بن الخطاب في لحظة فارقة في حياته بل وحياة البشرية كلها تغير قلبه وكيانه من النقيض إلى النقيض، عمر بن الخطاب كان ذاهب يقتل رسول الله الذي جاء بدين جديد، فقابله أحد كفار مكة وأخبره أن أخته قد آمنت بمحمد واعتنقت الدين الجديد، فذهب لأخته يريد شراً، فعندما ضرب أخته على وجهها، ورأى الدم يسيل من وجهها رق قلبه، وكان بداية دخول الإيمان في قلبه. عمر بن الخطاب هو نفس الشخص الذي لم يرق قلبه عندما كان يقوم بوأد ابنته وحفر لها حفرة فقامت ابنته بمسح الغبار عن لحيته ولكن قلبه كان مثل الحجارة أو أشد قسوة ودفن ابنته وهي على قيد الحياة، قلب عمر رق لجرح أخته وقبل ذلك لم يرق لقتل ابنته، عمر تقلب قلبه وصار فاروق الأمة، وكان إسلامه نصراً، تغير قلب فرد من النقيض إلى النقيض في لحظات فساهم في تغيير التاريخ.
تقلب قلوب مجموعة: وقد يكون تقلب قلب لمجموعة من الناس معاً في وقت واحد، سحرة فرعون الذين كانوا في أول النهار كفار وناصرين لفرعون ضد نبي الله موسى، تقلب قلبهم وصاروا مؤمنين لم يخافوا من تهديد فرعون، وصاروا شهداء بررة، يقول الله عز وجل "فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ. قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ. قَالَ لَهُم مُّوسَى أَلْقُوا مَا أَنتُم مُّلْقُونَ. فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ. فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ. فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ. قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ. رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ. قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ. قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ. إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ" (الشعراء: 41 -51). رأوا الحق حقاً فاتبعوا الحق وتركوا الباطل، آمنوا بالله الواحد القهار، وأرادوا دخول الجنة التي تجري من تحتها الأنهار جزاء من الله الكريم الغفار.
تقلب قلوب شعب: أصحاب الأخدود تقلبت قلوبهم للإيمان عندما رأوا معجزة قتل الغلام المؤمن عندما قال الملك الظالم "باسم رب هذا الغلام" قبل أن يرمي سهمه، وهذا الغلام الذي عجز عن قتله الملك الظالم بطرق عديدة، لم يستطيع هذا الملك الظالم قتله إلا عندما ذكر اسم رب الغلام، فآمن الحاضرون بالله الواحد القهار، ولم يخافوا من عذاب الملك الظالم، يقول الله عز وجل في محكم آياته "قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ. النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ. إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ. وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ. وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ" (البروج: 4 – 11) تحولوا من مشاهدين محايدين ليس لهم ايمان بالدين إلى مؤمنين موحدين لديهم ثبات ويقين، وصبروا على العذاب وصاروا شهداء، مكانهم يوم القيامة في عليين، وصاروا في التاريخ من الخالدين.
قوم يونس آمنوا جميعاً لما رأوا العذاب: “فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ” (يونس: 98)، “وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين” (الصافات: 147- 148)، آمن مائة ألف أو يزيدون عندما ذهب يونس غاضباً، ولما رأوا العذاب آمنوا جميعاً، شعب بأكمله تحول قلبه للإيمان.
 فسبحان من قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه يقلبها كيف يشاء.. اللهم يا مُقلِّبَ القلوبِ ثبِّت قَلوبنا على دينِكَ، واهدِ قلوب الناس للإيمان.
المصدر: موقع علامات أونلاين- الأربعاء – 25 أكتوبر 2017 - http://alamatonline.com/archives/289454

الكلمات الدالة: قلوب – إيمان – كفر – أفراد – مجموعات – شعوب – عمر – يونس – الأخدود - سحرة


الخميس، 12 أكتوبر 2017

الكلمة الطيبة شجرة تثمر

الكلمة الطيبة شجرة تثمر

د. زياد موسى عبد المعطي
       الكلمة الطيبة هي شجرة طيبة تثمر، ويستمر إثمارها إلى أن يشاء الله، متى تبدأ الكلمة الطيبة تؤتي ثمارها وأين تؤتي ثمارها؟ يختلف الإثمار ويختلف بدأ جني الثمار، ويختلف الاستمرار في جني الثمار في الدنيا حسب نوع الكلمة كما يختلف نوع الشجر.
الكلمة الطيبة قد تكون كلمة دعوة إلى الله يقولها الأنبياء، الكلمة الطيبة قد تكون كلمة يقولها العلماء في شتى فروع العلم، قد تكون الكلمة الطيبة كلمة حق في وقت يكثر فيه قول الباطل، قد تكون الكلمة الطيبة كلمة يقولها الرجل لزوجته، أو كلمة يؤدب بها ولده، قد تكون أمر بمعروف أو نهي عن منكر لصديق أو زميل أو رفيق، قد تكون الكلمة الطيبة كلمة في مقالة في جريدة أو مجلة أو موقع الكتروني، وقد تكون كلمة عبر قناة فضائية يشاهدها الملايين، قد تكون أي نوع آخر من الكلمات.
       يقول الله عز وجل في محكم آياته "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25)" (سورة إبراهيم).
       قد تثمر الكلمات في وقت قريب، وقد يتأخر جني الثمار، قد يستمر جني الثمار في الدنيا لوقت قصير، أو يستمر لوقت طويل، وقد يستمر إلى يوم الدين.
       قد تثمر الكلمة الطيبة ويأتي مفعولها في حينها مثل كلمة تأديب لطفلك، أو كلمة تعليم لطالب استوعب الكلمة من معلمه، وقد يتأخر إثمار الكلمة، مثل كلمة الحق التي قالها الأنبياء للدعوة إلى توحيد الله وعبادته مثلما فعل نوح عليه السلام الذي ظل يدعو الله ألف سنة إلا خمسين وآمن مع قليل.
       الكلمة الطيبة عمرها قد يكون أكبر من عمر أي شجرة في الدنيا، قد يستمر إثمار الكلمة الطيبة إلى يوم الدين مثلما أمر الله إبراهيم عليه السلام "وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ" (الحج: 27)، وآتى الناس للحج بعد أن أطاع إبراهيم أمر الله، حتى في وقت المشركين كان يأتي الناس لبيت الله الحرام، والحج في شريعة المسلمين الركن الخامس في الإسلام لمن استطاع إليه سبيلاً، ودعوة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مستمرة إلى يوم الدين، وحفظ الله القرآن "كلام الله" إلى يوم الدين.
       كلمات العلماء في شتى فروع العلم أثمرت تقدم علمي، ومازالت تعطي ثماراً، وعاشت الكلمات التي قالها العلماء أكثر من أعمارهم، وتعطي ثمارها كل حين.
       الشجرة المثمرة تتكاثر عن طريق البذور أو الشتلات أو الفسائل، وتعطي الشجرة ذرية من الأشجار التي تثمر في أمكان أخرى، وتعطي الأشجار الجديدة ثمارها في الأرض الصالحة والجو الصالح للإثمار، والكلمة الطيبة ينتقل تأثيرها الطيب وتعطي نتائجها الطيبة طالما وجدت الظروف المناسبة، فقد تعطي الكلمة الطيبة مفعول في جميع أنحاء الأرض أو يكون مفعولها محدود في أماكن محدودة.
       قد يتأخر انتشار الشجر الطيب في أماكن جديدة حتى يتأكد من يريد نشر هذا الشجر من جودة الثمار، أو لكي يتعلم من يريد نشر الشجر الطيب كيفية رعايته والحفاظ عليه، وهذا ما أراه حدث في انتشار الإسلام، فقد كان انتشار الإسلام في مكة المكرمة بمعدل قليل، وزاد معدل انتشار الإسلام في المدينة، وزاد أكثر بعد فتح مكة، وزاد أكثر بعد ذلك، وما زال يدخل الناس في دين الله في مختلف بقاع الأرض. 
       قد تصاب الشجرة بآفات أو أمراض تؤثر في الثمار التي تنتجها، وتعاود الشجرة انتاجها الطيب بعد معالجتها والقضاء على ما يؤثر في إثمارها، حتى لو أن الشجرة ماتت في مكان ما فسوف تظل ذريتها التي انتشرت في أماكن أخرى تؤتي ثمارها.
       وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الكلمة الطيبة صدقة" (متفق عليه)، والله عز وجل يرعى الصدقة وينميها ويزيدها، فالله عز وجل يقول " يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ" (البقرة: 276). فالله عز وجل هو الذي يرعى الكلم الطيب مثلما يرعى البستاني شجره ويحرص على إثماره وإكثاره.
       فيجب علينا أن نحرص على الكلم الطيب، وعلى قول الحق، والله عز وجل يرعى القول الطيب ويجعله يؤتي ثماره في الدنيا، ويعطي الثواب في الآخرة، أما متى وأين تؤتي الكلمة الطيبة ثمارها في الدنيا؟ فهذا علمه عند الله، وثواب الآخرة خير وأبقى.
الكلمات الدالة: كلم – شجرة – ثمار – دنيا – آخرة – علم – انتشار
المصدر: موقع علامات أونلاين – الأربعاء 11 أكتوبر 2017