الاثنين، 19 يونيو 2017

الأعمال تخلد ذكرى صاحبها

الأعمال تخلد ذكرى صاحبها
د. زياد موسى عبد المعطي
إذا لم يكن هناك خلود في الدنيا، والموت حتمي لكل مخلوق، فإن الأعمال تخلد ذكرى صاحبها بعد موته، وأعمال الانسان أطول منه عمراً، وخلود الأعمال والذكرى إما أعمال صالحة وذكرى طيبة، أو غير ذلك.
أعمال الانسان أطول من عمره، فقد يكون العمل عمر ثان أو أكثر أو أقل، نعم هناك من تُخلد ذكراهم إلى قيام الساعة، خلد ذكراهم القرآن الذي تعهد الله بحفظه؛ منهم من تم تخليد ذكراه بذكرى حسنة أو بذكرى سيئة، فهناك الخالدون أبد الدهر بالعمل الصالح أو العمل الطالح.
وأفضل من تم تخليد ذكراه من البشر؛ خاتم المرسلين وأفضل بني آدم أجمعين سيدنا محمد النبي الأمين، وبعده الأنبياء المرسلون خلدهم الله في كتابه الكريم. وعلى النقيض هناك من خلد القرآن ذكراهم كرموز للشر ودعاة إلى النار، على رأس هذه الفئة إبليس اللعين، ومن تبعه إلى يوم الدين، ومن هؤلاء فرعون، وهامان، وقارون.
وهناك من خلد ذكرهم الطيب في السيرة النبوية المطهرة، من الصحابة رضوان الله عليهم، وأهل بيت رسول الله الذين نصلي عليهم وندعو لهم في كل صلاة في التشهد، وعلى الجانب الآخر نرى من خلدت ذكراهم السيرة النبوية كأعداء لله وللرسول، ومنهم أبو لهب، وأبو جهل، وأمية بن خلف وغيرهم من صناديد الشرك، وغيرهم من المنافقين.
وخلد التاريخ في صفحاته الناصعة بحروف من نور سيرة حكام عادلين على رأسهم الخلفاء الراشدون، وعمر بن عبد العزيز؛ خامسهم الذي ملأ الأرض عدلاً، وعلى النقيض سطر التاريخ ذكرى الكثير من الحكام الطغاة الذين ملأوا الأرض ظلماً وجوراً.
ويخلد في الدنيا بالذكرى الصالحة العلماء، سواء علماء الدين، أو علماء الفروع الأخرى من العلوم التجريبية أو النظرية، فخلد الله ذكرى علماء الدين الأولين أصحاب كتب الحديث مثل مسلم والبخاري وغيرهما، وأصحب الفقه مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل، وخلد الله ذكرى غيرهم من العلماء الذين حفظ الله بهم علوم الدين المختلفة، وجزى الله خيراً علماء المسلمين وقت النهضة الاسلامية مثل ابن سينا والخوارزمي وجابر ابن حيان وغيرهم من العلماء، وغيرهم كثيرون عبر مختلف العصور؛ منهم المسلمون، وغير المسلمين.
وحُلم الخلود بالأعمال الصالحات حلم مباح ومتاح لنا جميعاً، وميسر لمن أراد الله له ذلك، ووفقه لعمل الخير والطاعات، فيجب علينا جميعاً أن نحلم ونخطط لخلود أعمالنا بعد موتنا، ونسعى من أجل الحصول على مزيد من الحسنات بعد الموت، التي ترفع من درجاتنا يوم القيامة. ويرشدنا الحيث التالي إلى حلم الخلود، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: من صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له” صحيح النسائي” وفي رواية أخرى “إذا مات ابن آدم …..” (ابن تيمية: مجموع الفتاوي – حديث صحيح).
الصدقة يدعونا الله عز وجل في مواضع كثيرة من القرآن أن نؤديها، ويبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم استمرار ثواب الصدقة في الحديث الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم” ما تصدق أحد بصدقة من طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله” (رواه مسلم).
أما عن العلم فيقول الله عز وجل ” يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ” (المجادلة: من الآية 11)،  وعن أبي الدراء رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من سلك طريقا يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقا إلى الجنة،  إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، و إن العالم ليستغفر له من في السماوات و من في الأرض، حتى الحيتان في الماء، و فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا و لا درهما، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر” (حيث حسن – صحيح الترغيب – الألباني)، والعلم المقصود هنا ليس العلم الديني والشرعي فحسب، بل يشمل فروع العلم المختلفة النافعة؛ النظرية والعملية.
وعن استمرار وخلود العلم بعد موت صاحبه أنشد الامام الحافظ الذهبي الدمشقي في نهاية كتابه الكبائر يقول:
كتبت وقد أيقنت يوم كتابتي … بأن يدي تفنى ويبقى كتابها
فإن عملت خيراً ستجزى بمثله …. وإن عملت سوءً عليها حسابها 
وفي ذلك يقول الشاعر:
ما من كاتب إلا ويفنى …. وتبقى ما كتب يداه
فلا تكتب إلا ما …..  يسرك يوم القيامة أن تراه
وأما عن الولد الصالح ودعاؤه لوالديه فنجد أن الله عز وجل يأمرنا بالدعاء للوالدين “وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا” (الاسراء: من الآية 24)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن الرجل لترفع درجته في الجنة فيقول: أنى لي هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك” (حديث صحيح – الألباني – صحيح الجامع)، فأولادنا كالزرع إن تعهدناهم بالرعاية والتربية الحسنة حصدنا الخير الوفير في الدينا، واستمر حصولنا على الحسنات من دعواتهم بعد الممات، وفرحنا يوم القيامة بحصاد ما زرعنا.
ولكن يجب علينا أن نحترس، فقد يكون المال والعلم والولد أسباباً لدخول جهنم (والعياذ بالله) إذا سببت هذه الأشياء الغرور للإنسان، وجعلته ينسى فضل الله عليه. فالمال والولد أنسيا صاحب الجنتين فضل الله وجعلته يظن أنه لن يموت، وإن مات فسوف يدخل الجنة. والعلم والمال قد يكون الطريق إلى النار يوم القامة والهلاك في الدنيا كما حدث مع قارون.
       وكذلك هناك طريق آخر يرشدنا له رسول الله صلى الله عليه وسلم لخلود الأعمال الصالحات في الدنيا، وزيادة الأجر والثواب، وفي نفس الوقت ينهانا عن طريق آخر قد يؤدي بنا إلى غير ذلك، حيث جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء” (حديث صحيح: الألباني – صحيح الجامع).
المصدر: موقع علامات أونلاين – الاثنين 19 يونيو 2017.
الكلمات الدالة: أعمال – صالحة – الجنة – النار – صدقة  - علم - تاريخ

الأربعاء، 7 يونيو 2017

خليط العبقرية والتميز

خليط العبقرية والتميز
د. زياد موسى عبد المعطي
أرى ان العبقرية والتميز خليط من الموهبة والطموح والمجهود والبيئة المناسبة، هذا الخليط عندما يتوفر يساعد على تميز الأفراد والمؤسسات والدول.
التميز والتفوق يلزمه موهبة، فالموهوبون يبدعون ويصنعون الفارق، ويظهر دور الموهوبين في صنع الفارق في الفرق الرياضية الجماعية مثل كرة القدم، فالموهوب في كرة القدم نجم يصنع الفارق، وبالذات اللاعب الهداف فهو موهبة غالية. وفي التأليف والتمثيل والفن؛ الموهوب يتألق ويكتسب حب الجماهير ويلهث وراءه المنتجون، وفي العلم؛ الموهوبون يبدعون أفكاراً غير تقليدية ويبتكرون اختراعات جديدة، وبأفكارهم وابداعاتهم يحلون مشاكل المجتمعات التي يعيشون فيها، ويصنعون تقدما لدولهم، فالموهوبون في كل مجال يصنعون الفارق.
الطموح هو القوة التي تدفع للتحرك نحو النجاح وتحقيق الأهداف، الطموح يجب أن يتم تجديده في كل مرحلة عقب تحقيق هدف لتحقيق أهداف أخرى، فالنجاح يتم على مراحل، والنجاح يدفع لمزيد من النجاح، ولا سقف للطموح كما تقول الحكمة الإنجليزية No end for the sky أي كما أنك لا تسطيع الوصول لسقف ونهاية السماء فيجب أن يكون طموحك لا سقف له، ويحث الإسلام على الطموح، فالمسلمون جميعاً لديهم طموح دخول الجنة، ويدلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أننا يجب أن نطمح لدخول أعلى الجنان تحت عرش الرحمن في الفردوس حيث قال معاذ بن جبل رضي الله عنه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “الجنةُ مائةُ درجةٍ كلُّ درجةٍ منها ما بين السماءِ والأرضِ وإنَّ أعلاها الفردوسُ وإنَّ أوسطَها الفردوسُ وإنَّ العرشَ على الفردوسِ منها تفجَّرُ أنهارُ الجنةِ فإذا ما سألتم اللهَ فسلوهُ الفردوسَ” (صحيح ابن ماجة). والطموح يدفع لبذل المجهود وتحمل الصعاب.
المجهود هو الوقود الذي يبذل لتحقيق الأهداف وتحقيق الإنجازات والنجاح، ويرى البعض أن التميز والعبقرية يبلغ نسبة المجهود منها 99 %، والموهبة فقط تمثل 1 % من التميز والنجاح، الموهوب الذي لا يبذل مجهودا لن يحقق إنجازات أو نجاحا، فالنوايا فقط لا تحقق نجاحا وتميزا، فطريق النجاح يحتاج مجهودا وليس مفروشا بالورود، طريق التميز يحتاج تعبا ومشقة، فكما قال الشاعر:
لولا المشقة ساد الناس كلهم ….. الجود يفقر والاقدام قتال
والبيئة المناسبة تمثل الأرض الخصبة التي تنمو وتزدهر فيها المواهب، فالموهبة التي لا تجد البيئة المناسبة لتنمو فيها وتترعرع، لا تؤتي ثمارها، وتضمحل وتختفي، فيجب اكتشاف المواهب وتوجيهها التوجيه السليم، وتوفير الإمكانات المناسبة لتثمر المواهب نجاحاً وتميزا يعود بالخير على المجتمع والدول، واكتشاف المواهب يقع على كاهل الأسرة والمدرسة والدولة، حيث يجب توجيه كل صاحب موهبة ليبدع في موهبته، فالمجتمع يحتاج للعالم المبدع والسياسي المبدع والصانع المبدع والمزارع المبدع.
بل يجب رعاية المجتمعات المتميزة والمبدعة في مجال معين لتبدع أكثر، مثل مدينة دمياط في مصر التي تتميز بصناعة الأثاث، ومدينة المحلة التي تشتهر بالغزل والنسيج، فيجب تطوير هذه المجتمعات للتميز أكثر ولتصل بإنتاجها للعالمية.  
علينا أن نحلم ونعمل على النجاح والتميز كأفراد ومجتمعات ودول، علينا أن نوفر خليط العبقرية والتميز.
 المصدر: موقع علامات أونلاين – الأربعاء 7 يونيو 2017.

وأقرأ أيضاً 

فتش عن المبدعين