الاثنين، 6 نوفمبر 2017

المن يذهب الحسنات ويفسد العلاقات

المن يذهب الحسنات ويفسد العلاقات
بقلم: د. زياد موسى عبد المعطي
المن يذهب الحسنات ويفسد العلاقات، ويؤثر سلباً على المحبة، لا تعتَدْ ذكر أفضالك على الآخرين، فيكرهوا حديثك، ويملوا كلامك ويكرهوا معروفك، فإذا أنفقت صدقة، أو أديت معروفاً لأحد أو قضيت حاجة إنسان فلا تعتد أن تفتخر به؛ لأن هذا يجعل عمل الخير ليس ابتغاء وجه الله، بل رياءً للناس، بل قد يذهب المحبة من القلوب.
الله الرزاق:
من يمن على الناس عليه أن يتذكر أن الله الخالق الرازق المنان؛ خلقنا ورزقنا، فهو سبحانه وتعالى صاحب الفضل والمنة “وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ” (النحل: 53). من يفتخر بأنه من أصحاب الأموال والصدقات عليه أن يتذكر أن الله هو الرزاق الكريم الذي رزقه ووهبه الأموال، ومن يفتخر أنه من أصحاب العلم الديني أو الدنيوي وأنه يعلم طلابه عليه أن يتذكر أن الله عز وجل هو الذي وفقه للعلم، فلا يجب أن يمن مدرس على طلابه بأنه يعلمهم، فالله هو من هداه لطريق العلم، وهو يؤدي واجبه الذي ينال عليه أجراً في الدنيا، وثواباً في الآخرة، وعلى الطلاب أن يعوا ويدركوا فضل معلميهم، ومن يمن على الناس أنه صاحب منصب أو وظيفة وأنه قضى للناس حوائجهم عليه أن يتذكر أن الله هو الذي وفقه وجعله في هذه الوظيفة أو هذا المنصب. فالنعم الدينية والدنيوية كلها من الله.
المن يذهب الحسنات:
والرياء والمفاخرة يمحقان الأجر ويضيعان الثواب. يقول الله عز وجل: “ومَا بِكُمْ من نّعمةٍ فمنَ الله”. ويقول: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ” (البقرة: 264)، فعندما يعتاد من أنفق أن يفتخر بأنه تصدق على فلان فإنه بذلك يضيع ثواب الصدقة لأنه بهذا يريد شكر الناس ولا يريد ثواب الله عز وجل.
الهداية من الله:
ومن يفتخر بأنه أسلم ودخل في دين الإسلام فالله هو من هدى المسلمين للإسلام، يقول الله عز وجل “يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ” (الحجرات: 17). جاء بعض الأعراب لرسول الله يمنون عليه أنهم دخلوا في الإسلام بدون حروب، فنزل الوحي الأمين لخاتم النبيين يذكر هؤلاء وأمثالهم إلى يوم الدين أن الله هو الذي يهدي للإسلام وأن الفضل لله وأن الهداية من الله.
إخلاص النية:
من يقضي حوائج الناس ابتغاء وجه الله يجب أن يستر على الناس ولا يفتخر بذلك، لكي يكون العمل خالصاً لوجه الله، ولينتظر الثواب من الله في الدنيا والآخرة، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من نفَّسَ عن مؤمنٍ كُربةً من كُرَبِ الدنيا، نفَّسَ اللهُ عنه كُربةً من كُرَبِ يومِ القيامةِ، ومن يسّرَ على معسرٍ، يسّرَ اللهُ عليه في الدنيا والآخرةِ، ومن سترَ مسلمًا، ستره اللهُ في الدنيا والآخرةِ، واللهُ في عونِ العبدِ ما كان العبدُ في عونِ أخيه” (صحيح مسلم).
المن يفسد العلاقات:
ومن يكرم ضيفاً، ويطعمه فليجعل ذلك ابتغاء مرضاة الله، حيث أن ديننا يأمرنا بإكرام الضيف، حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه” (متفق عليه)، أما إذا أخذ يذكر من أكرم ضيفه بهذا الكرم – وأنه أطعمه كذا وسقاه كذا – كلما رآه بعد ذلك، أو أخذ يذكر ذلك للناس، فإن ذلك يجعل من تم إكرامه يكره زيارة هذا الذي يمن عليه.
وفي الحياة الزوجية يجب على الزوجين ألا يمن أحدهما على الآخر بما يقدمه وبما يفعله لإسعاده وإسعاد الأبناء، فما يفعله الزوج أو تفعله الزوجة من خدمات للطرف الآخر وخدمة الأولاد إنما هو واجب عليهما، وتكرار ذكر أحد الطرفين للآخر بما يقدمه له من معروف قد يمثل بداية شرخ في العلاقة الزوجية، ويقلل المحبة والود، وقد يتسع الشرخ مع تكرار المن، وقد يؤدي للانفصال.
أيها الآباء: لا تمنوا على أبنائكم:
ويجب على الآباء ألا يكرروا على مسامع أبنائهم أفضالهم عليهم، حتى لا يمل الأبناء هذا الكلام، وكي لا يحزنهم ذلك. فالآباء عندما يقومون برعاية أبنائهم فإنهم يؤدون واجبهم، لأنهم سوف يحاسبون على رعايتهم لأبنائهم يوم القيامة. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ” (متفق عليه).
وأصحاب الوظائف والمهن والحرف:
ومن أدى وظيفته أو مهنته أو حرفته على أكمل وجه فيجب عليه ألا يمن على من تلقى الخدمة أنه أدى له الخدمة، فالموظف الذي يؤدي خدمة لمواطن بصورة جيدة فإنه يؤدى واجبه الذي يأخذ مقابله راتبًا، وصاحب المهنة مثل الطبيب في عيادته أو في المستشفى الذي يعالج المريض ويكون سبباً في شفائه فإنما يؤدي مهنته، وصاحب الحرفة الذي يؤدي حرفته مثل النجار أو الخياط أو غيرهما يجب عليه ألا يمن على أحد بما أنجزه له. فهذه حرفته، وإتقانها ينال عليه أجراً في الدنيا وثواباً في الآخرة، والتذكير بالخدمة التي يؤديها من سبق ذكرهم يجعل متلقي الخدمة لا يحب من قدمها، ويجعل من أدى له الخدمة يمل حديثه ويبحث عن بديل آخر في نفس المهنة أو الحرفة.
ندعو الله أن يوفقنا للأعمال الصالحة، وأن تكون هذه الأعمال خالصة لوجهه الكريم، وألا نفسد أعمالنا الصالحة بالمن والأذى.
المصدر: موقع علامات أونلاين: الاثنين 6 نوفمبر 2017 - http://alamatonline.com/archives/294763

الكلمات الدالة: المن – حسنات – علاقات – ثواب – أجر – نية – زوج – ابن – أب – ضيف – مهنة – حرفة - رزق – صدقة - محبة
رابط المقالة على يوتيوب: https://www.youtube.com/watch?v=YLyvPa8JqC0&t=12s

الأربعاء، 25 أكتوبر 2017

تقلب القلوب

تقلب القلوب
د. زياد موسى عبد المعطي
القلب يتقلب بين الكفر والإيمان، قلوب الأفراد وقلوب المجموعات، وقلوب الشعوب يمكن أن تتغير في لحظة، من النقيض إلى النقيض بإرادة الله سبحانه وتعالى، ويثبت الله قلوب المؤمنين.
قال أنس بن مالك رضي الله عنه: كانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يُكْثِرُ أن يقولَ: يا مُقلِّبَ القلوبِ ثبِّت قَلبي على دينِكَ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، آمنَّا بِكَ وبما جئتَ بِهِ فَهَل تخافُ علَينا؟ قالَ: نعَم، إنَّ القُلوبَ بينَ إصبُعَيْنِ مِن أصابعِ اللَّهِ يقلِّبُها كيفَ شاءَ" (صحيح الترمذي).
والسطور التالية أذكر فيها أمثلة لتحول القلوب للإيمان للأفراد والمجموعات والشعوب، وثبات القلوب التي هداها الله للإيمان على الحق.
تقلب قلوب الأفراد: الفاروق عمر بن الخطاب في لحظة فارقة في حياته بل وحياة البشرية كلها تغير قلبه وكيانه من النقيض إلى النقيض، عمر بن الخطاب كان ذاهب يقتل رسول الله الذي جاء بدين جديد، فقابله أحد كفار مكة وأخبره أن أخته قد آمنت بمحمد واعتنقت الدين الجديد، فذهب لأخته يريد شراً، فعندما ضرب أخته على وجهها، ورأى الدم يسيل من وجهها رق قلبه، وكان بداية دخول الإيمان في قلبه. عمر بن الخطاب هو نفس الشخص الذي لم يرق قلبه عندما كان يقوم بوأد ابنته وحفر لها حفرة فقامت ابنته بمسح الغبار عن لحيته ولكن قلبه كان مثل الحجارة أو أشد قسوة ودفن ابنته وهي على قيد الحياة، قلب عمر رق لجرح أخته وقبل ذلك لم يرق لقتل ابنته، عمر تقلب قلبه وصار فاروق الأمة، وكان إسلامه نصراً، تغير قلب فرد من النقيض إلى النقيض في لحظات فساهم في تغيير التاريخ.
تقلب قلوب مجموعة: وقد يكون تقلب قلب لمجموعة من الناس معاً في وقت واحد، سحرة فرعون الذين كانوا في أول النهار كفار وناصرين لفرعون ضد نبي الله موسى، تقلب قلبهم وصاروا مؤمنين لم يخافوا من تهديد فرعون، وصاروا شهداء بررة، يقول الله عز وجل "فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ. قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ. قَالَ لَهُم مُّوسَى أَلْقُوا مَا أَنتُم مُّلْقُونَ. فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ. فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ. فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ. قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ. رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ. قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ. قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ. إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ" (الشعراء: 41 -51). رأوا الحق حقاً فاتبعوا الحق وتركوا الباطل، آمنوا بالله الواحد القهار، وأرادوا دخول الجنة التي تجري من تحتها الأنهار جزاء من الله الكريم الغفار.
تقلب قلوب شعب: أصحاب الأخدود تقلبت قلوبهم للإيمان عندما رأوا معجزة قتل الغلام المؤمن عندما قال الملك الظالم "باسم رب هذا الغلام" قبل أن يرمي سهمه، وهذا الغلام الذي عجز عن قتله الملك الظالم بطرق عديدة، لم يستطيع هذا الملك الظالم قتله إلا عندما ذكر اسم رب الغلام، فآمن الحاضرون بالله الواحد القهار، ولم يخافوا من عذاب الملك الظالم، يقول الله عز وجل في محكم آياته "قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ. النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ. إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ. وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ. وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ" (البروج: 4 – 11) تحولوا من مشاهدين محايدين ليس لهم ايمان بالدين إلى مؤمنين موحدين لديهم ثبات ويقين، وصبروا على العذاب وصاروا شهداء، مكانهم يوم القيامة في عليين، وصاروا في التاريخ من الخالدين.
قوم يونس آمنوا جميعاً لما رأوا العذاب: “فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ” (يونس: 98)، “وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين” (الصافات: 147- 148)، آمن مائة ألف أو يزيدون عندما ذهب يونس غاضباً، ولما رأوا العذاب آمنوا جميعاً، شعب بأكمله تحول قلبه للإيمان.
 فسبحان من قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه يقلبها كيف يشاء.. اللهم يا مُقلِّبَ القلوبِ ثبِّت قَلوبنا على دينِكَ، واهدِ قلوب الناس للإيمان.
المصدر: موقع علامات أونلاين- الأربعاء – 25 أكتوبر 2017 - http://alamatonline.com/archives/289454

الكلمات الدالة: قلوب – إيمان – كفر – أفراد – مجموعات – شعوب – عمر – يونس – الأخدود - سحرة


الخميس، 12 أكتوبر 2017

الكلمة الطيبة شجرة تثمر

الكلمة الطيبة شجرة تثمر

د. زياد موسى عبد المعطي
       الكلمة الطيبة هي شجرة طيبة تثمر، ويستمر إثمارها إلى أن يشاء الله، متى تبدأ الكلمة الطيبة تؤتي ثمارها وأين تؤتي ثمارها؟ يختلف الإثمار ويختلف بدأ جني الثمار، ويختلف الاستمرار في جني الثمار في الدنيا حسب نوع الكلمة كما يختلف نوع الشجر.
الكلمة الطيبة قد تكون كلمة دعوة إلى الله يقولها الأنبياء، الكلمة الطيبة قد تكون كلمة يقولها العلماء في شتى فروع العلم، قد تكون الكلمة الطيبة كلمة حق في وقت يكثر فيه قول الباطل، قد تكون الكلمة الطيبة كلمة يقولها الرجل لزوجته، أو كلمة يؤدب بها ولده، قد تكون أمر بمعروف أو نهي عن منكر لصديق أو زميل أو رفيق، قد تكون الكلمة الطيبة كلمة في مقالة في جريدة أو مجلة أو موقع الكتروني، وقد تكون كلمة عبر قناة فضائية يشاهدها الملايين، قد تكون أي نوع آخر من الكلمات.
       يقول الله عز وجل في محكم آياته "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25)" (سورة إبراهيم).
       قد تثمر الكلمات في وقت قريب، وقد يتأخر جني الثمار، قد يستمر جني الثمار في الدنيا لوقت قصير، أو يستمر لوقت طويل، وقد يستمر إلى يوم الدين.
       قد تثمر الكلمة الطيبة ويأتي مفعولها في حينها مثل كلمة تأديب لطفلك، أو كلمة تعليم لطالب استوعب الكلمة من معلمه، وقد يتأخر إثمار الكلمة، مثل كلمة الحق التي قالها الأنبياء للدعوة إلى توحيد الله وعبادته مثلما فعل نوح عليه السلام الذي ظل يدعو الله ألف سنة إلا خمسين وآمن مع قليل.
       الكلمة الطيبة عمرها قد يكون أكبر من عمر أي شجرة في الدنيا، قد يستمر إثمار الكلمة الطيبة إلى يوم الدين مثلما أمر الله إبراهيم عليه السلام "وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ" (الحج: 27)، وآتى الناس للحج بعد أن أطاع إبراهيم أمر الله، حتى في وقت المشركين كان يأتي الناس لبيت الله الحرام، والحج في شريعة المسلمين الركن الخامس في الإسلام لمن استطاع إليه سبيلاً، ودعوة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مستمرة إلى يوم الدين، وحفظ الله القرآن "كلام الله" إلى يوم الدين.
       كلمات العلماء في شتى فروع العلم أثمرت تقدم علمي، ومازالت تعطي ثماراً، وعاشت الكلمات التي قالها العلماء أكثر من أعمارهم، وتعطي ثمارها كل حين.
       الشجرة المثمرة تتكاثر عن طريق البذور أو الشتلات أو الفسائل، وتعطي الشجرة ذرية من الأشجار التي تثمر في أمكان أخرى، وتعطي الأشجار الجديدة ثمارها في الأرض الصالحة والجو الصالح للإثمار، والكلمة الطيبة ينتقل تأثيرها الطيب وتعطي نتائجها الطيبة طالما وجدت الظروف المناسبة، فقد تعطي الكلمة الطيبة مفعول في جميع أنحاء الأرض أو يكون مفعولها محدود في أماكن محدودة.
       قد يتأخر انتشار الشجر الطيب في أماكن جديدة حتى يتأكد من يريد نشر هذا الشجر من جودة الثمار، أو لكي يتعلم من يريد نشر الشجر الطيب كيفية رعايته والحفاظ عليه، وهذا ما أراه حدث في انتشار الإسلام، فقد كان انتشار الإسلام في مكة المكرمة بمعدل قليل، وزاد معدل انتشار الإسلام في المدينة، وزاد أكثر بعد فتح مكة، وزاد أكثر بعد ذلك، وما زال يدخل الناس في دين الله في مختلف بقاع الأرض. 
       قد تصاب الشجرة بآفات أو أمراض تؤثر في الثمار التي تنتجها، وتعاود الشجرة انتاجها الطيب بعد معالجتها والقضاء على ما يؤثر في إثمارها، حتى لو أن الشجرة ماتت في مكان ما فسوف تظل ذريتها التي انتشرت في أماكن أخرى تؤتي ثمارها.
       وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الكلمة الطيبة صدقة" (متفق عليه)، والله عز وجل يرعى الصدقة وينميها ويزيدها، فالله عز وجل يقول " يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ" (البقرة: 276). فالله عز وجل هو الذي يرعى الكلم الطيب مثلما يرعى البستاني شجره ويحرص على إثماره وإكثاره.
       فيجب علينا أن نحرص على الكلم الطيب، وعلى قول الحق، والله عز وجل يرعى القول الطيب ويجعله يؤتي ثماره في الدنيا، ويعطي الثواب في الآخرة، أما متى وأين تؤتي الكلمة الطيبة ثمارها في الدنيا؟ فهذا علمه عند الله، وثواب الآخرة خير وأبقى.
الكلمات الدالة: كلم – شجرة – ثمار – دنيا – آخرة – علم – انتشار
المصدر: موقع علامات أونلاين – الأربعاء 11 أكتوبر 2017 

الأربعاء، 27 سبتمبر 2017

التطوير المستمر والنجاح

التطوير المستمر والنجاح
بقلم: د. زياد موسى عبد المعطي
الاستمرار في النجاح يحتاج إلى التطوير المستمر، والتطوير المستمر يحتاج إلى تطوير الطموح وتجديد الدوافع لتحقيق المزيد من النجاح، والتطوير المستمر ضروري لاستمرار النجاح للأفراد والمؤسسات والدول.
فمثلاً الشركات الكبرى التي تنتج الأجهزة الكهربية والالكترونية والسيارات وغيرها لكي تحقق كل عام مبيعات جديدة تقوم بتطوير منتجاتها وإنتاج إصدارات جديدة من منتجاتها تتميز بخواص جديدة وإن لم تفعل ذلك فلن تستمر في جني الأرباح.
من يريد المنافسة على البطولات من الفرق الرياضية لابد أن يقوم بتطوير الأداء واختيار عناصر جديدة تمثل إضافات جديدة، وسد الثغرات في الفريق.
الطبيب الناجح لابد أن يطور نفسه ويتعلم الجديد، ويكون دائم التعليم والتدريب على كل ما هو جديد في مجال تخصصه.
والمهندس الناجح لابد أن يتابع الجديد في مجال تخصصه، ويطور من خبراته.
من يعمل في مجال البحث العلمي لابد أن يتابع الجديد في تخصصه، وأن ينتج أبحاثا جديدة تناسب الجديد في العالم ويأتي بأفكار جديدة.
من يريد أن يستمر في النجاح والتفوق والتميز لابد أن يستمر في التطوير. على الفرد أن يستمر في تطوير نفسه وتعلم الجديد في مجاله وتحسين مهاراته وتطوير خبراته.
وعلى المؤسسات أن تستمر في تطوير قدرات أفرادها، وتعليم الجديد، وتطوير قدراتها على المنافسة.
وعلى الدول أن تطور من قدرات الأفراد، فالثروة البشرية أهم ثروات الأوطان، وأن تطور من الخدمات التي تقدمها للأفراد، وأن تطور من مؤسساتها وأن تساعد على الإبداع والتفوق في جميع المجالات.
من لا يتطور لا يتقدم، ويظل مكانه، بينما الآخرون يتقدمون، فيصبح من يرفض التطوير في مؤخرة الصفوف.
ومن الواجب التحلي بالأخلاق والدين، فليس معنى التطوير التخلي عن التمسك بالدين، بل أرى أنه يجب أن نطور أداءنا الذي يقربنا من النجاح في الآخرة بمراجعة أنفسنا والتقرب من الله لنتطور ونزيد رصيدنا من الحسنات ونرتفع يوم القيامة في الجنة إلى أعلى الدرجات؛ في أعلى الجنان تحت عرش الرحمن.
ومن أفضل ما سمعت أن صاحب إحدى الشركات الكبيرة أراد ترقية أحد الموظفين لديه لمنصب قيادي في الشركة، فقام بترقية صاحب الكفاءة، فجاء إليه أحد الموظفين يشتكي أنه أحق بالترقية للمنصب القيادي ممن اختاره للمنصب، وقال لصاحب الشركة إنه صاحب خبرة عشرين عاما، بينما من تم اختياره للمنصب صاحب خبرة خمس سنوات فقط، فقال له صاحب الشركة: أنت صاحب خبرة سنة واحدة ومن تم اختيار صاحب خبرة خمس أعوام، فتعجب صاحب الشكوى، فبادره صاحب الشركة بقوله: أنت صاحب خبرة عام واحد, وتكررت الخبرة عشرين مرة، بينما من تم اختياره للمنصب القيادي صاحب خبرة خمسة أعوام في كل عام يتعلم الجديد ويطور نفسه، ولذلك اخترته، لأنه يطور نفسه ويتعلم الجديد.
فعلينا أن نستمر في تطوير القدرات وتطوير الأفكار لنحصد النجاح والتقدم والازدهار.
المصدر: موقع علامات أونلاين: الأربعاء 27 سبتمبر 2017 - https://alamatonline.com/archives/277815

الكلمات الدالة: تطوير – استمرار – نجاح – شركات – منتجات – أفراد – مؤسسات - دول ترقي - الجنة

الاثنين، 25 سبتمبر 2017

عامة البشر يتبعون الأقوياء والمتميزين

عامة البشر يتبعون الأقوياء والمتميزين
الكاتب: د. زياد موسى عبد المعطي
عامة البشر يتبعون الأقوياء والمتميزين والمتفوقين، يتبعونهم ويحبونهم ويتأثرون بهم، ويطيعونهم، عامة البشر يتبعون الدول والمؤسسات والأفراد المتميزين، يتأثرون بثقافتهم ويريدون أن يكونوا أمثالهم، هذا ما أراه وألاحظه عبر التاريخ والحاضر واعتقد أنه سوف يحدث في المستقبل.
       في الوقت الحالي الدول الضعيفة الغير متقدمة يحاول مواطنيها تقليد حضارة الدول الغربية المتقدمة في الكثير من الأشياء، ولأن الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة الأقوى في العالم الآن فثقافتها هي الأكثر شيوعاً في العالم، واللغة الإنجليزية (اللغة الرسمية للولايات المتحدة الأمريكية) هي اللغة الأكثر انتشاراً في العالم، وهي اللغة التي يتم بها تدريس المواد العلمية في أغلب دول العالم، وعندما كانت هناك دولة إسلامية قوية وهي الأقوى في العالم في العصر الأموي والعباسي كانت الحضارة الإسلامية هي السائدة والأقوى في العالم، وأهم  أسباب القوة للدول الآن ليست فقط القوة العسكرية التي هي بالطبع أحد أسباب قوة الدول، وإنما أيضاً تقاس قوة الدول بنجاحها في المجال العلمي والاقتصادي والإعلامي وغير ذلك.
       عامة الناس في العالم يحبون ويشجعون الفرق الرياضية القوية التي تحصد البطولات والتي تزخر باللاعبين الموهوبين، واللاعبون الموهوبون الأفذاذ في لهم شعبية ومعجبين، وفي الألعاب الفردية الأسرع والأقوى يفوز بالبطولات ويكون له الشهرة والمجد، ولأن هؤلاء الرياضيين أصبحوا أصحاب شهرة وثروة، أصبحوا قدوة لكثير من الأطفال والشباب.
       العلماء المتميزين والمشهورين ممن يظهرون في وسائل الإعلام يصبح لهم شهرة وصيت، ويصبحون قدوة لمن يريد أن يلك مجال العلم في تخصصهم.
       بل إن في انتشار الدين الإسلامي مثال لذلك، كان انتشار الدين الإسلامي في بداية الدعوة بمعدل قليل، اتبع الحق أصحاب البصيرة السليمة من المسلمين الأوائل الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وزاد معدل دخول الناس في الإسلام بعد فتح مكة ودخل الناس في دين الله أفواجا، وانتشر الإسلام في الجزيرة العربية بعد علموا بأن رسول الله واتباعه الكرام قد انتصروا علي المشركين بل دخل أهل مكة في الإسلام، وبعد وفاة الرسول ظن من لم يستقر الإسلام في قلوبهم أن الإسلام صار ضعيفاً وارتدوا عن دين الله، وكانت قوة ورباطة جأش أبوبكر رضي الله عنه، وثبات المسلمين حوله في مكة والمدينة، وقوة جيوش المسلمين كفيلة بعودة أهل الجزيرة العربية للإسلام، وكانت القوة الإيمانية والقوة العسكرية في العصور الإسلامية الأولى كفيلة بحماية الدولة الإسلامية، ودخول الناس في دين الله أفواجا، فلابد للحق من قوة تحميه.
       أما الآن فالدول الإسلامية أغلبها ليست من الدول المتقدمة ورغم هذا ينتشر الإسلام بقوة العقيدة وحسن معاملات المسلمين، وحسن الخلق. من أهم أسباب انتشار الإسلام هو قوة العقيدة وحسن الخلق الذي كان سبباً في دخول الكثير من الناس في الدين الإسلامي في دول لم تدخله جيوش المسلمين في عصور الدولة الإسلامية الموحدة، وصارت دول إفريقية مسلمة بحسن الخلق وقوة العقيدة.
       فعلى الأفراد والمؤسسات والدول أن تأخذ بأسباب القوة والتفوق والتميز، لكي نكون في المقدمة.
المصدر: مجلة المجتمع: 25 سبتمبر 2017 - تدوينات - http://mugtama.com/notations/item/61278-2017-09-25-13-51-10.html

الخميس، 14 سبتمبر 2017

الاستمرارية والنجاح

الاستمرارية والنجاح

د. زياد موسى عبد المعطي
الاستمرارية ضرورية لتحقيق الأهداف والنجاح في أي مجال، والاستمرارية في العمل وبذل المجهود ضرورية للنجاح.
من أراد أن يذهب لمكان معين عليه أن يحدد الطريق، وأن يستمر في السير حتى يبلغ هدفه، ومن أراد أن يصعد مبنى للوصول إلى شقة معينة فعليه الاستمرار في الصعود حتى يصل إلى ما يريد، ومن أراد النجاح وبلوغ هدف معين عليه أن يقوم بإعداد خطة ويستمر في العمل للوصول إلى هدفه.
ومن أراد أن يتعلم ويحصل على مؤهل عال ويتخرج من الكلية فعليه أن يستمر في التعليم والنجاح عبر مراحل التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي والجامعي حتى يحصل على ما يريد، ومن أراد المزيد من التعليم في الدراسات العليا فعليه بذل المزيد من الجهد ومزيد من النجاح لنيل شهادات أعلى.
ومن يريد أن يتعلم حرفة فعليه أن يستمر مع من يعلمه هذه الحرفة لفترة حتى يتقن الحرفة.
تحديد الهدف وتخيل نتائج النجاح يجعل المجهود المبذول هيناً لكي تتحقق الأهداف.
الاستمرارية في بذل المجهود والاجتهاد ضرورية للنجاح، واستمرار النجاح يؤدي لمزيد من النجاح والتفوق.
 اثنان لا يشبعان طالب علم وطالب مال (علي بن أبي طالب كرم الله وجهه) ، فكلما تعلم الانسان أحس بأنه يحتاج لمزيد من العلم وأن علمه قليل، وكلما تحصل الانسان على مال زاد حبه للنجاح وتطلع لمزيد من ربح المال، بل كلما تأدب الإنسان وحسن خلقه ازداد شعوره باحتياجه لمزيد من الخلق الحسن، وفي ذلك يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه:
كلما أدبني الدهر .......... أراني نقص عقلي
وإذا ما ازددت علما ......... زادني علما بجهلي
رأى رجلٌ مع الإمام أحمد محبرة، فقال له: يا أبا عبد الله أنت قد بلغت هذا المبلغ، وأنت إمام المسلمين، ومعك المحبرةُ تحملها، فقال: "مع المحبرة إلى المقبرة"
       والاستمرارية في عمل الخير يزيد الحسنات ويرفع الدرجات يوم القيامة، وفي الحديث الشريف الذي رواه عبد الله بن بسر المازني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “خيرُ النَّاسِ مَن طالَ عُمرُه وحَسُنَ عملُه" (صحيح الترغيب - الألباني – الصفحة أو الرقم 3364).
في المسابقات الرياضية يحصد البطولات من يستمر في الانتصارات، ومن يستمر في حصد البطولات يصل لمرحلة النجومية، ومن يستمر أكثر في حصد البطولات يسجله تاريخ الرياضات، ولكي يستمر الفرد أو الفريق في حصد البطولات لابد من الاستمرار في التدريبات والعمل الدؤوب والاستمرار في تطوير القدرات.
الاستمرارية ضرورية إذا كان هناك نجاح وازدهار، أما إذا كان هناك فشل وانهيار فلا معنى للاستمرار، ولا بد من التفكير في تغيير المسار.
إذا كان هناك نجاح وازدهار فالاستمرار على مسار النجاح يؤدي إلى مزيد من النجاح، مع ضرورة التطوير والاطلاع وتطبيق كل ما هو جديد ومفيد. ولابد من التطلع والطموح للنجاح والتميز والتفوق وليس أي نجاح.
أما إذا كان هناك فشل وانهيار فلابد من إعادة التفكير في الأخطاء التي تسببت في عدم النجاح، وتغيير المسار، والتعلم من الأخطاء، وتلافي هذه الأخطاء التي تسببت في عدم النجاح، ولكي ننجح يجب أن نتعلم من الناجحين ونسير على دربهم.  
ندعو الله العلي القدير أن يرزقنا النجاح والتفوق في الدنيا، ويرزقنا الفلاح في الآخرة ودخول أعلى الجنان تحت عرش الرحمن، " رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" (البقرة: 201)
المصدر: موقع علامات أونلاين: الخميس 14 سبتمبر 2017 - آراء - https://alamatonline.com/archives/272098

الكلمات الدالة: استمرار – نجاح – تفوق – دوافع – هدف – علم - مال

الجمعة، 18 أغسطس 2017

الأراضي الزراعية تشتكي

الأراضي الزراعية تشتكي
بقلم: د. زياد موسى عبد المعطي
أي مسافر بصفة دورية في الوقت الحالي على طريق زراعي في مصر يلاحظ أن مساحة الأراضي الزراعية تقل تدريجياً، وأن البناء على الأراضي الزراعية يتم بصورة مستمرة، وعشوائية، وأن الحيز العمراني للقرى والمدن يتمدد، وتتلاشى الفواصل بين القرى بعضها البعض، وبين القرى والمدن.
وفي حوار تخيلي يدور في جلسة بين الأراضي الزراعية ومزارعين، ومن يبنون على الأراضي الزراعية وخبراء تخيلت الحوار التالي:
الأراضي الزراعية: ارجوكم أنقذوني، إن مساحتي تتآكل، وبناء الكتل الخرسانية مستمر بدلاً من زراعة النباتات، إن القرى والعزب والنجوع يتوسعون في بناء مساكنهم، والحيز العمراني للمدن يتوسع على مساحتي، وإذا استمر الحال في تبوير الأراضي والبناء بهذا المعدل فإنه في القريب العاجل سوف تنتهي الكتلة الزراعية في الدلتا وتصبح الدلتا مدينة واحدة ليس بها أراضي زراعية.
أحد المزارعين: ماذا أفعل؟ الدخل من الزراعة لم يعد مٌجدٍ، أسعار جميع المدخلات قد ارتفعت، أجور العمالة الزراعية، وأسعار الأسمدة والتقاوي، وأسعار الوقود الذي تعمل به ماكينة الري، كل هذا قد ارتفع وفي المقابل لم يقابل هذا زيادة في أسعار المحاصيل، فمن أين أنفق على أسرتي؟ قد يكون تبوير الأرض والبحث عن فرصة عمل أخرى فرصة لدخل أفضل بالنسبة لي، وقد يكون بيع الأرض الزراعية كأراضي مساكن انقاذ لي ولأسرتي من فقر محقق.
الأرضي الزراعية: أريد أن أسمع حجة من يبنون على مساحتي المساكن ما الأسباب التي دفعتهم إلى ذلك؟
أحد من يبنون على الأرضي الزراعية في القرى: ماذا أفعل؟ ما البديل؟ هل أذهب لأشتري أرض في الصحراء يتم بيعها بأثمان باهظة، قد تزيد عن ثمن الأراضي الموجودة في قريتي، بجوار عملي، وبجوار عائلتي، الأبناء يكبرون ويريدون مساكن فهل هناك بديل مناسب بسعر مناسب؟ هل يتوفر مجتمعات بها مرافق وفرص عمل للشباب لكي لا يبنون على الأراضي الزراعية في الدلتا وفي القرى القديمة؟ أم الأسعار خيالية ولا تناسب الشباب !!!
أحد الحضور تكلم قائلاً: أرى كل طرف له أسبابه وحجته، فالبناء على الأراضي الزراعية القديمة يمثل إهدار لثروات البلد وتقليل الرقعة الزراعية، ويمثل خطر على مستقبل الأجيال القادمة، وله عيوب كثيرة، والمزارعين لديهم الحق في أن يجدوا دخلاً معقولاً من الزراعة يجعلهم يعيشون حياة كريمة، ويجب توفير مساكن بأسعار مناسبة في المناطق الجديدة مع توفير فرص عمل في هذه المجتمعات العمرانية.
قال آخر من الحاضرين: تعمير الصحراء أراه حلاً مناسباً لمنع البناء على الأراضي الزراعية القديمة، أرى أن إنشاء قرى ومدن جديدة مع توفير الخدمات المناسبة، وتشجيع الشباب على تعمير هذه المجتمعات الجديدة.
قال أحد الحضور: يجب أن تكون هناك حوافز ومغريات لتعمير هذه المجتمعات الجديدة، وهذه الحوافز تمثل قوة جذب للخروج من المجتمعات القديمة للمجتمعات الجديدة التي سوف يتم إنشائها.
قال أحد الخبراء الزراعيين: نعم أرى أن تكون ثمن الأراضي الزراعية في القرى الجديدة بأثمان قليلة، ويتم تمليكها لخريجي كليات الزراعة ومدارس الثانوي الزراعي، وأن لا يكون هناك مقدم، مع جعل هناك فترة سماح خمس سنوات وتقسيط ثمن الأراضي الزراعية على عشر سنوات أو أكثر، بل يكون هناك تشجيع للجادين بإعطاء سلفة أول سنة لزراعة أول محصول، و تشجيع الإنتاج الحيواني في هذه المجتمعات العمرانية، وقلة المياه المتاحة يمكن التغلب عليها بالاعتماد على الطرق الحديثة في الري في الأراضي القديمة والجديدة لتوفير المياه اللازمة للري، مثل الري بالتنقيط والري بالرش، والعمل مع الجامعات والمراكز البحثية على انتاج أصناف من النباتات تحتاج كميات أقل من المياه، مع الاستفادة من مياه الآبار ، ومياه الأمطار في زراعة المحاصيل في القرى الجديدة.
وقال أحد المختصين في الإسكان: أرى أن يتم توفير مساكن للشباب في المدن والقرى الجديدة بأسعار مخفضة، وبدون مقدم، وبالتقسيط على سنوات طويلة، وألا يجوز التنازل عن الأراضي والمساكن قبل عشرين سنة، مع توفير فرص عمل في المدن بإقامة مصانع وشركات، وإقامة مدارس وجامعات، وتوفير الخدمات لتوطين الشباب في المدن الجديدة، فزراعة المجتمعات الجديدة بالبشر لا يقل أهمية عن زراعة الأراضي الجديدة بالمحاصيل المختلفة، ويجب توفير المغريات التي تشجع الناس على الخروج من المجتمعات القديمة إلى المجتمعات الجديدة، ويجب الاعتماد على تحلية مياه البحر في المناطق الساحلية لتوفير مياه الشرب والري في المجتمعات الساحلية القديمة والجديدة.
الأراضي الزراعية: نعم يجب زراعة الأراضي الجديدة بالنباتات وزراعة المجتمعات الجديدة بالبشر، للحفاظ على الأراضي الزراعية القديمة، ولكي ينعم هذا الوطن بمستقبل أفضل.

ما رأيكم في هذا الحوار؟ اعتقد أن هذا الحوار يحتاج لبقية، وآراء أخرى للرد عل الأراضي الزراعية التي تشتكي وتستغيث.
الكلمات الدالة: أراضي - زراعة - تعمير - تبوير - مساكن - دخل - حوار - مياه
المصدر: من كتاباتي - د. زياد موسى عبد المعطي

الاثنين، 19 يونيو 2017

الأعمال تخلد ذكرى صاحبها

الأعمال تخلد ذكرى صاحبها
د. زياد موسى عبد المعطي
إذا لم يكن هناك خلود في الدنيا، والموت حتمي لكل مخلوق، فإن الأعمال تخلد ذكرى صاحبها بعد موته، وأعمال الانسان أطول منه عمراً، وخلود الأعمال والذكرى إما أعمال صالحة وذكرى طيبة، أو غير ذلك.
أعمال الانسان أطول من عمره، فقد يكون العمل عمر ثان أو أكثر أو أقل، نعم هناك من تُخلد ذكراهم إلى قيام الساعة، خلد ذكراهم القرآن الذي تعهد الله بحفظه؛ منهم من تم تخليد ذكراه بذكرى حسنة أو بذكرى سيئة، فهناك الخالدون أبد الدهر بالعمل الصالح أو العمل الطالح.
وأفضل من تم تخليد ذكراه من البشر؛ خاتم المرسلين وأفضل بني آدم أجمعين سيدنا محمد النبي الأمين، وبعده الأنبياء المرسلون خلدهم الله في كتابه الكريم. وعلى النقيض هناك من خلد القرآن ذكراهم كرموز للشر ودعاة إلى النار، على رأس هذه الفئة إبليس اللعين، ومن تبعه إلى يوم الدين، ومن هؤلاء فرعون، وهامان، وقارون.
وهناك من خلد ذكرهم الطيب في السيرة النبوية المطهرة، من الصحابة رضوان الله عليهم، وأهل بيت رسول الله الذين نصلي عليهم وندعو لهم في كل صلاة في التشهد، وعلى الجانب الآخر نرى من خلدت ذكراهم السيرة النبوية كأعداء لله وللرسول، ومنهم أبو لهب، وأبو جهل، وأمية بن خلف وغيرهم من صناديد الشرك، وغيرهم من المنافقين.
وخلد التاريخ في صفحاته الناصعة بحروف من نور سيرة حكام عادلين على رأسهم الخلفاء الراشدون، وعمر بن عبد العزيز؛ خامسهم الذي ملأ الأرض عدلاً، وعلى النقيض سطر التاريخ ذكرى الكثير من الحكام الطغاة الذين ملأوا الأرض ظلماً وجوراً.
ويخلد في الدنيا بالذكرى الصالحة العلماء، سواء علماء الدين، أو علماء الفروع الأخرى من العلوم التجريبية أو النظرية، فخلد الله ذكرى علماء الدين الأولين أصحاب كتب الحديث مثل مسلم والبخاري وغيرهما، وأصحب الفقه مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل، وخلد الله ذكرى غيرهم من العلماء الذين حفظ الله بهم علوم الدين المختلفة، وجزى الله خيراً علماء المسلمين وقت النهضة الاسلامية مثل ابن سينا والخوارزمي وجابر ابن حيان وغيرهم من العلماء، وغيرهم كثيرون عبر مختلف العصور؛ منهم المسلمون، وغير المسلمين.
وحُلم الخلود بالأعمال الصالحات حلم مباح ومتاح لنا جميعاً، وميسر لمن أراد الله له ذلك، ووفقه لعمل الخير والطاعات، فيجب علينا جميعاً أن نحلم ونخطط لخلود أعمالنا بعد موتنا، ونسعى من أجل الحصول على مزيد من الحسنات بعد الموت، التي ترفع من درجاتنا يوم القيامة. ويرشدنا الحيث التالي إلى حلم الخلود، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: من صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له” صحيح النسائي” وفي رواية أخرى “إذا مات ابن آدم …..” (ابن تيمية: مجموع الفتاوي – حديث صحيح).
الصدقة يدعونا الله عز وجل في مواضع كثيرة من القرآن أن نؤديها، ويبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم استمرار ثواب الصدقة في الحديث الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم” ما تصدق أحد بصدقة من طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله” (رواه مسلم).
أما عن العلم فيقول الله عز وجل ” يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ” (المجادلة: من الآية 11)،  وعن أبي الدراء رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من سلك طريقا يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقا إلى الجنة،  إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، و إن العالم ليستغفر له من في السماوات و من في الأرض، حتى الحيتان في الماء، و فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا و لا درهما، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر” (حيث حسن – صحيح الترغيب – الألباني)، والعلم المقصود هنا ليس العلم الديني والشرعي فحسب، بل يشمل فروع العلم المختلفة النافعة؛ النظرية والعملية.
وعن استمرار وخلود العلم بعد موت صاحبه أنشد الامام الحافظ الذهبي الدمشقي في نهاية كتابه الكبائر يقول:
كتبت وقد أيقنت يوم كتابتي … بأن يدي تفنى ويبقى كتابها
فإن عملت خيراً ستجزى بمثله …. وإن عملت سوءً عليها حسابها 
وفي ذلك يقول الشاعر:
ما من كاتب إلا ويفنى …. وتبقى ما كتب يداه
فلا تكتب إلا ما …..  يسرك يوم القيامة أن تراه
وأما عن الولد الصالح ودعاؤه لوالديه فنجد أن الله عز وجل يأمرنا بالدعاء للوالدين “وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا” (الاسراء: من الآية 24)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن الرجل لترفع درجته في الجنة فيقول: أنى لي هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك” (حديث صحيح – الألباني – صحيح الجامع)، فأولادنا كالزرع إن تعهدناهم بالرعاية والتربية الحسنة حصدنا الخير الوفير في الدينا، واستمر حصولنا على الحسنات من دعواتهم بعد الممات، وفرحنا يوم القيامة بحصاد ما زرعنا.
ولكن يجب علينا أن نحترس، فقد يكون المال والعلم والولد أسباباً لدخول جهنم (والعياذ بالله) إذا سببت هذه الأشياء الغرور للإنسان، وجعلته ينسى فضل الله عليه. فالمال والولد أنسيا صاحب الجنتين فضل الله وجعلته يظن أنه لن يموت، وإن مات فسوف يدخل الجنة. والعلم والمال قد يكون الطريق إلى النار يوم القامة والهلاك في الدنيا كما حدث مع قارون.
       وكذلك هناك طريق آخر يرشدنا له رسول الله صلى الله عليه وسلم لخلود الأعمال الصالحات في الدنيا، وزيادة الأجر والثواب، وفي نفس الوقت ينهانا عن طريق آخر قد يؤدي بنا إلى غير ذلك، حيث جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء” (حديث صحيح: الألباني – صحيح الجامع).
المصدر: موقع علامات أونلاين – الاثنين 19 يونيو 2017.
الكلمات الدالة: أعمال – صالحة – الجنة – النار – صدقة  - علم - تاريخ