نحو فكر جديد للأوقاف

نحو فكر جديد للأوقاف



نحو فكر جديد للأوقاف
 د. زياد موسي عبد المعطي
لا ينكر أحد الدور الفعال الذي قامت به الأوقاف الخيرية في الحضارة الإسلامية في حركة العلم وتحفيظ القرآن. وإنشاء ورعاية الكتاتيب. وكسوة الكعبة المشرفة. واقامة المدارس. وغيرها من الأنشطة. ولا ينكر أحد حالياً الدور الفعال والحيوي التي تقوم به وزارة الأوقاف في الدعوة الإسلامية ورعاية المساجد. وغيرها من الأعمال الخيرية الأخرى. ونعلم ونقدر مدي حرص المسئولين في وزارة الأوقاف علي زيادة مواردها المالية لكي تستطيع أن تواصل دورها الحيوي والفعال في خدمة الدعوة الإسلامية
ولكن هناك بعض القضايا مرفوعة من أهالي بعض القري ضد وزارة الأوقاف. وهناك بعض المشاكل التي يعانيها أهل القري. وهذه القري أراضيها أوقاف خيرية ويعانون من رفع وزارة الأوقاف لقيمة إيجار الأراضي الزراعية. والأراضي المقام عليها البيوت من عشرات السنين في داخل كردون القري. وان هذه الزيادة تكون زيادة شبه سنوية. وأصبحت قيمة الإيجار مرتفعة على المواطنين في هذه القري. مما جعلهم يرفعون شكاوى إلى وزارة الأوقاف. ويطالبون في شكاواهم بتثبيت قيمة الإيجار. أو الاستبدال "أي استبدال الإيجار بالتمليك". وان يتم تقسيط ثمن الأراضي على فترة زمنية معقولة ومناسبة لدخل المواطنين. ولما لم تحدث استجابة لطلبات هؤلاء المواطنين فقد رفعوا قضايا على وزارة الأوقاف ومنظورة في المحاكم الآن لتحقيق مطالبهم
واني إذ أقدر الدور الحيوي لوزارة الأوقاف. وحرص السادة المسئولين بها علي زيادة مواردها المالية. فإني أطالب السادة المسئولين بالوزارة بتحديث الفكر الإداري للوزارة كما يطالبون السادة ائمة المساجد بتحديث الخطاب الديني. وأطالبهم بأن يقضوا على شكاوى المواطنين بأن يبيعوا الأراضي لواضعي اليد عليها من المستأجرين الذين يضعون ويزرعون هذه الأراضي من عشرات السنين. ويسكنون بيوتاً ورثوها عن أجدادهم. ويقطنون بها من عشرات السنين. فهل يعقل مثلاً أن من يريد أن يبني بيتاً جديداً أن يوقع على ورقة ان الأرض والمباني التي عليها ملك لوزارة الأوقاف. بل أنى أعلم حالات قليلة من مواطني قريتي يدفع إيجار الشقة التي بناها من ماله الخاص إضافة إلى إيجار الأرض المقام عليها البيت. بل إن بعض الأهالي كان قد جاء لهم أمر بإزالة البيوت التي قد بنوها. ولم ينقذهم إلا أحكام القضاء العادل الذي أنصفهم
ولذلك فإني أطالب الوزارة ببيع الأراضي الزراعية والأراضي الموجودة داخل كردون القري بأسعار معقولة. لا أن يتم بيعها بالمزاد العلني. ومراعاة البعد الإنساني للطبقات الكادحة التي تستأجر هذه الأراضي من عشرات السنين. وفي كل الأحوال فإن حصيلة بيع هذه الأراضي سوف يدر دخلاً أفضل للوزارة من دخل الإيجار. فمثلاً إذا قلنا ان إيجار الفدان من الأرض الزراعية هو ألف جنيه في السنة. فإن ثمن بيعه لن يقل عن ثلاثين أو أربعين ألف جنيه. إذا تم استثمارها في أنشطة أخري لن يقل الربح عن عشرة بالمائة "أي حوالي أربعة آلاف جنيه". وبالمثل بالنسبة للأراضي داخل كردون القري فإن ثمن بيعها سوف يكون أكثر ربحية للوزارة. وهذا إجراء ليس بدعة جديدة. فالحكومة تقوم بتمليك الأراضي التي تديرها هيئة الإصلاح الزراعي للمستأجرين الذين يقومون بزراعتها. فلماذا لا تقوم بمثل ذلك وزارة الأوقاف؟ 
وعملية بيع الأراضي للمستأجرين تعطي أيضاً المستأجرين الاحساس والشعور بالأمان والراحة. والطمأنينة النفسية. فكما هو معلوم توسيع قاعدة الملكية يزيد الانتاجية ويزيد الراحة النفسية. وتملك الأرض يعطي احساساً أكثر بالمواطنة. ويزيد حب الوطن. واني أري انهاء القضايا المرفوعة ضد وزارة الأوقاف من المستأجرين في غاية الأهمية. فكيف تكون الوزارة المناط بها الدعوة الإسلامية خصماً للمواطنين في المحاكم؟ فالأوقاف دائماً تعين المحتاج والفقير. وترشد الضال والحيران إلى الطريق القويم. وأننا نراها تعين المواطنين لا أن تكون في خصومة معهم. وتهددهم بالطرد والتشرد
واني إذ أطالب وزارة الأوقاف ببيع هذه الأراضي للمستأجرين فإني أطالب الوزارة باستثمار أموال حصيلة البيع في استثمارات تدر دخلاً أوفر على الوزارة وتتيح فرص عمل جديدة للشباب. وأن تنشئ وزارة الأوقاف إدارة جديدة بها "إدارة الاستثمار" مسئولة عن استثمار حصيلة بيع الأراضي. وتكون هذه الإدارة مسئولة عن اقامة مشاريع جديدة. وإدارة هذه المشاريع
فمثلاً اقترح على وزارة الأوقاف أن تستثمر هذه الأموال في عدة مشاريع. فعلي سبيل المثال
* استصلاح الأراضي الصحراوية. وبيعها لشباب الخريجين بأسعار معقولة
* الشراكة مع شركات أخري في اقامة مشاريع عملاقة "علي غرار الشراكة التي قامت هيئة البريد مع شركة اتصالات للمحمول".
* اقامة شركات لإصدار الكتب والشرائط والاسطوانات الدينية والمصاحف
* اقامة قناة فضائية إسلامية تشرف عليها الوزارة
فمن أرباح هذه المشاريع يزيد دخل وزارة الأوقاف. وتستطيع ممارسة دورها الفعال بصورة أفضل. ويتم توفير العديد من فرص العمل للعديد من الشباب الذين يعانون البطالة
بل أزيد في ذلك سؤالاً: لماذا لا تعتمد وزارة الأوقاف على موارد جديدة في إدارتها؟ لماذا لا نحيي سنة حميدة من سنن تاريخنا الإسلامي وهي سنة الوقف الخيري؟ 
إن بإمكان وزارة الأوقاف أن تحيي سنة الوقف الخيري بأن تقوم بحملة لتدشين أوقاف جديدة. بأن تدعو القادرين على التبرع بأموال يتم توقيفها للأعمال الخيرية. وأن يقوم خطباء المساجد بتذكير جموع المصلين في خطب الجمعة وفي الدروس في المساجد بثواب الصدقة الجارية عند الله تعالي. وهي واحدة من ثلاث تستمر ثوابها بعد الموت "صدقة جارية. علم ينتفع به. وولد صالح". وأن تقوم حملة إعلانية لهذا الغرض في الصحف والإذاعة والتليفزيون. وفي تصوري أن يكون بعض هذه الأوقاف مركزية الإدارة تديرها وزارة الأوقاف. والبعض الآخر لا مركزياً تديرها لجان الزكاة في الأرياف والأحياء في المدن
فمثلاً يتم في الأوقاف المركزية الجديدة تدعيم مشروع القرض الحسن الذي تعطيه وزارة الأوقاف للمحتاجين. وهو في الوضع الحالي مبلغ ضئيل جداً "2000 جنيه فقط". فيكون إدارة واستثمار وقف القرض الحسن تحت رعاية إدارة الوزارة. ويتم صرفه بضمان أشخاص من لجان الزكاة في الأرياف والأحياء. ويتم رفع المبلغ إلى 50 أو 100 ألف جنيه. كما أتصور أن يوقف أهل الخير من أغنياء أموالا تدار وتستثمر لا مركزيا تحت إشراف لجان الزكاة "المنتشرة في ربوع مصر تحت رعاية بنك ناصر الاجتماعي" لأغراض خيرية أخري مثل إدارة مكاتب تحفيظ القرآن في القري والأحياء. واعطاء الحافظين جوائز قيمة. وأوقاف أخري لتشجيع التلاميذ والطلاب في المدارس والجامعات من المتفوقين بإعطائهم جوائز قيمة. وأوقاف أخري للمساعدة في زواج غير القادرين
ففي تصوري ان دور الوزارة يجب ألا يقتصر على إدارة الأوقاف الموجودة حالياً فقط. بل يجب أن تكون هذه الوزارة منارة تبني الحضارة. كما كانت الأوقاف الخيرية تبني حضارتنا الإسلامية في القرون الماضية. ويجب إدارة حصيلة بيع الأراضي الحالية. واستثمار الأوقاف الجديدة بما يساعد في نهضة الوطن. وبناء الحضارة. وحل مشاكل المواطنين. فهل نستطيع أن نحلم بتطوير الفكر الإداري للأوقاف. كما نحلم بتحديث الخطاب الديني؟ نطمع في ذلك
المصدر: مقالة تم نشرها في جريدة الجمهورية: الثلاثاء 24 من ذي القعدة 1428هـ -4 من ديسمبر 2007 م – العدد 19699 – صـ 14

ليست هناك تعليقات