الأحد، 12 يناير 2014

كن طموحاً


 كن طموحاً

 كن طموحاً
د. زياد موسى عبد المعطي أحمد
أقول للأطفال والشباب كن طموحاً، فديننا يحضنا على الطموح في الآخرة والدنيا، والطموح والدافع النفسي أساس التفوق والنبوغ في أي مجال، والطموح هو الحافز والدافع النفسي للإنسان للوصول إلى الهدف الذي يريد أن يحققه.
 والطموح يجب ألا يتوقف مدى الحياة، كلما حققنا هدف نصبو لهدف آخر أعلى، ويكون لكل مرحلة في الحياة أهدافها، وكل مرحلة يجب أن يتبعها مرحلة أخرى، أما الغاية ومنتهى الطموح فهو طاعة الله عز وجل والعمل على رضاه ودخول الجنة.
ديننا يحض على الطموح، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرنا أن المسلم يجب أن يكون طموحاً في طلبه للجنة في الآخرة، فيقول "وإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة، وأعلا الجنة وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة"، فعلى المسلم ألا يطلب من الله دخول الجنة والسلام أي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحثنا على الطموح وأن نعمل وندعو الله لدخول أفضل درجات الجنة "الفردوس".
ولعمر ابن عبد العزيز - رضي الله عنه خامس الخلفاء الراشدين الذي ملأ الأرض عدلاً - مقولة عن طموحه، قالها لرجاء بن حيوة (أحد العلماء والصالحين في عهده) فيقول "إن لي نفساً تواقة، وما حققت شيئاً إلا تاقت لما هو أعلى منه، تاقت نفسي إلى الزواج من ابنة عمي فاطمة بنت عبد الملك فتزوجتها، ثم تاقت نفسي إلى الإمارة فوليتها، وتاقت نفسي إلى الخلافة فنلتها، والآن يا رجاء تاقت نفسي إلى الجنة فأرجو أن أكون من أهله".
ويجب أن يكون شعار حياتنا "الأفضل لم يأتي بعد"، فلا يتوقف طموح الإنسان عند درجة معينة، وأن نعتبر الحياة مثل درجات السلم، نصعدها درجة درجة، وأن نسعى دائما للصعود لأعلى. وهناك حكمة إنجليزية عن الطموح تقول: No end for the sky” “، أي "لا نهاية للسماء"، ولذلك يجب ألا يكون لطموحك نهاية، كلما حققت نجاح فاطمح في نجاح آخر، ولا تجعل لطموحك سقفاً، ولا تجعل لطموحك نهاية، تماما مثل محاولة وصولك لنهاية السماء التي لن تستطيع أن تبلغ أو ترى نهايتها.
وطريق تحقيق الأحلام والطموح مفروش بالشوك، وليس بالورود، يحتاج لعزيمة قوية وإصرار، وإلى بذل الجهد، والتغلب على المصاعب، فالطموح هو حلم نسعى لتحقيقه، وتحقيق الحلم إلى المجهود والعزيمة والإصرار.
وكما قال أبو العلاء المعري:
           وما نيل المطالب بالتمني         ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
ومن أفضل ما كتب الشعراء عن الطموح أبيات يخلدها التاريخ في صفحات خالدة بحروف من ذهب كتبها في هذا الشاعر أبو القاسم الشابي في قصيدته إرادة الحياة:
إذَا مَا طَمَحْـتُ إلِـى غَـايَةٍ               رَكِبْتُ الْمُنَى وَنَسِيتُ الحَذَر
وَلَمْ أَتَجَنَّبْ وُعُـورَ الشِّعَـابِ              وَلا كُبَّـةَ اللَّهَـبِ المُسْتَعِـر
وَمَنْ لا يُحِبّ صُعُودَ الجِبَـالِ              يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ بَيْنَ الحُفَـر
فَعَجَّتْ بِقَلْبِي دِمَاءُ الشَّبَـابِ               وَضَجَّتْ بِصَدْرِي رِيَاحٌ أُخَر
وَأَطْرَقْتُ، أُصْغِي لِقَصْفِ الرُّعُودِ          وَعَزْفِ الرِّيَاح وَوَقْعِ المَطَـر
وَقَالَتْ لِيَ الأَرْضُ -لَمَّا سَأَلْتُ:        " أَيَـا أُمُّ هَلْ تَكْرَهِينَ البَشَر؟"
"أُبَارِكُ في النَّاسِ أَهْلَ الطُّمُوحِ           وَمَنْ يَسْتَلِـذُّ رُكُوبَ الخَطَـر
وأَلْعَنُ مَنْ لا يُمَاشِي الزَّمَـانَ            وَيَقْنَعُ بِالعَيْـشِ عَيْشِ الحَجَر
وإذا كانت الهمة عالية والطموح كبير والأحلام كبيرة فلابد من بذل مجهود كبير، ولابد من العب والاجتهاد لتحقيق الأحلام والطموحات، وفي سبيل تحقيق الأحلام والأهداف يهون التعب والمجهود، فما أحلى النجاح بعد التعب، وما أحلى جني ثمار الاجتهاد، وكما يقولون "الكبار يحلمون أحلام كبيرة"، و"العظماء يحلمون أحلام عظيمة"، وفي ذلك كتب المتنبي أبيات من الشعر هي دليل للطموحين عبر الأزمان ترشدهم للأهداف والأحلام الكبيرة:
عَـلَى قَـدْرِ أَهـلِ العَـزمِ تَأتِي العَزائِمُ    وتَــأتِي عَـلَى قَـدْرِ الكِـرامِ المَكـارِمُ
        وتَعظُـمُ فـي عَيـنِ الصّغِـيرِ صِغارُها                  وتَصغُـر فـي عَيـنِ العَظِيـمِ العَظـائِمُ
ويجب أن يكون الطموح فردي وجماعي، أي يجب أن يطمح الفرد في تحقيق أحلام ونجاحات كبيرة لنفسه ولأسرته، ومؤسسته التي يعمل بها، ولوطنه، وللأمة العربية والإسلامية، و أن نعمل جميعاً على تحقيق الخير للبشرية، وذلك لنحقق عمارة وخلافة الأرض التي أرادها الله حينما قال للملائكة "إني جاعل في الأرض خليفة"
وأختم بحكاية طريفة أخبرني بها أحد أصدقائي، وقد كان هذا الصديق صاحب طموح،  ولم نلتق منذ فترة طويلة، عندما تقابلنا أخذنا نتجاذب أطراف الحديث، وعلمت أنه منذ تخرجه من كلية الهندسة قسم مدني كان لديه طموح، وعمل في مكتب استشاري صغير، ثم انتقل إلى شركة كبرى، ثم أخذ مقاولات صغيرة لحسابه، ثم توسعت أعماله وصار صاحب شركة للمقاولات، ودار بيننا حوار عن الطموح وأخبرني أنه كان زميل له في كلية الهندسة له كان كل طموحه أن يتم تعيينه في وظيفة حكومية، وأن يساعده أهله في الزواج، وأن يكون موظف حكومي روتيني له كرش يعود يحمل البطيخة على كرشه لزوجته وهو عائد من عمله بعد الثانية ظهراً، وأخبرني أنه منذ أيام قليلة قابل هذا الزميل، وعندما سأله عن أحواله إذا بكل أحلامه تحققت، فقابله ويحمل البطيخة على كرشه، فقال له تزوجت وأعمل في الوظيفة والمرتب يكفي الشهر وخلاص، فاختر لنفسك أن تكون صاحب شركة وملايين بالكفاح والطموح المستمر، أو أن تحمل البطيخة على كرشك.
عزيزي القارئ، احلم أحلام كبيرة مناسبة لإمكانياتك واعمل واجتهد لتحقيقها.

المصدر: جريدة الجمهورية -الاربعاء 16 من شعبان 1431هـ -28 من يوليو 2010 م -صـ 14.

وأقرأ أيضاً

بين الرضا والطموح

0 comments:

إرسال تعليق