السبت، 25 يناير 2014

تواضع ولا تتكبر

هذه المقالة هي محاولة لإلقاء الضوء على التكبر والتواضع، ونبذ صفة التكبر والتحلي بالتواضع، وابدأ بتوضيح النهي عن التكبر والأمر بالتحلي بالتواضع في ديننا الحنيف، ثم محاولات لفهم أن التواضع واجب على الإنسان من وجهة نظر علمية، وأتطرق إلى جزاء المتكبرين، وأمثلة للمتكبرين والمتواضعين.

 تواضع ولا تتكبر

د. زياد موسى عبد المعطي أحمد
التكبر من الصفات الذميمة أمرنا الله عز وجل ألا نتخلق بها، والتواضع من الصفات الحميدة التي أمرنا الله أن نتخلق بها
التكبر هو أن يستعلي الإنسان على الآخرين بما أعطاه الله من نعم على خلقه، فهناك من يتكبر لسلطانه أو ماله أو علمه أو قوته البدنية أو غير ذلك، والتواضع عكس التكبر، حيث أن المتواضع لا يستعلي على خلق الله، ويعلم أن ما به من نِعم فإنا هي نِعم أنعم الله عليه بها.
هذه المقالة هي محاولة لإلقاء الضوء على التكبر والتواضع، ونبذ صفة التكبر والتحلي بالتواضع، وابدأ بتوضيح النهي عن التكبر والأمر بالتحلي بالتواضع في ديننا الحنيف، ثم محاولات لفهم أن التواضع واجب على الإنسان من وجهة نظر علمية، وأتطرق إلى جزاء المتكبرين، وأمثلة للمتكبرين والمتواضعين.
فالتكبر صفة نهانا عنها الله عز وجل حيث يقول الله سبحانه وتعالى "إن الله لا يحب المستكبرين" (النحل: 23)، "أليس في جهنم مثوى للمتكبرين" (الزمر: 60)، "ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين" (الزمر: 72) ، كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الحديث القدسي الذي يرويه عن الله عز وجل "الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار" (رواه مسلم وأبو داود والترمذي)، وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المتكبر لا يدخل الجنة فقال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" (رواه مسلم وأبو داود والترمذي)، وقد أمرنا الله عز وجل بالتواضع كما في سورة لقمان، حيث ذكر القرآن على لسان لقمان عليه السلام ناصحاً ابنه والبشر أجمعين قائلاً "ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحًا إن الله لا يحب كل مختال فخور" (لقمان: 18)، كما يحثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على التواضع فيقول رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم  "إِن اللَّه أَوحَى إِليَّ أَنْ تَواضَعُوا حتى لا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلى أَحدٍ ، ولا يَبغِيَ أَحَدٌ على أَحَدٍ "( رواه مسلم)، ويقول أيضاً "ما نَقَصَتْ صَدقَةٌ من مالٍ ، وما زاد اللَّه عَبداً بِعَفوٍ إِلاَّ عِزّاً، ومَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للَّهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ "( رواه مسلم).
وفي الشعر الإسلامي درر من الحكم تدعو إلى التواضع والابتعاد عن التكبر، فمنها ما قاله الإمام الشافعي:
تَوَاضَعْ تَكُنْ كالنَّجْمِ لاح لِنَاظـِـــرِ  على صفحـات المــاء وَهْوَ رَفِيــعُ
           لا تَكُ  كالدُّخَانِ يَعْلُـــو  بَنَفْسـِـــهِ        على    طبقــات الجـوِّ وَهْوَ وَضِيــعُ
ويقول الشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي 
ليس التطاول رافعا من جاهل     وكذا التواضع لا يضرّ بعاقل  
ويقول الشاعر الكريز
ولا تمشي في الأرض إلا تواضعا     فكم تحتها قوم هم منك أرفع
وفي محاولة لفهم لماذا نتواضع ننظر بنظرة علمية على خلق الإنسان وتكوينه وهل من حقه أن يتكبر أم يتواضع؟ سوف نجد السطور التالية تجيبنا بكل وضوح أن التواضع هو السلوك الواجب والمفترض، وان الكبر سلوك لا يجوز.
مر أحد المتكبرين على مالك بن دينار، وكان هذا المتكبر يتبختر في مشيته فقال له مالك: أما علمت أنها مشية يكرها الله إلا بين الصفين؟ فقال المتكبر: أما تعرفني؟ قال مالك: بلى، أوّلك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة، فانكسر وقال: الآن عرفتني حق المعرفة، هذه المقولة مقولة فصيحة تبين أن الإنسان يخلق من اتحاد نطفتين من الذكر والأنثى، اللتين توجدان بماء الرجل والمرأة، وهذا الماء يوجب الغسل والطهارة وتشمئز من الأنفس، وفي نهاية رحلة الحياة يكون الموت، ويكون الرداء لأي إنسان غني أو فقير عظيم أو حقير هو الكفن، والسكن بعد الموت يكون في القبر، والدفن في التراب، ثم تتحلل الجثة بفعل الميكروبات والديدان في التربة وتصبح جيفة قذرة، فهل من له مثل هذه البداية والنهاية في رحلة حياته أن يتكبر.
أما أثناء رحلة الحياة فالإنسان يحمل بين جنبيه العذرة، أي البول والبراز الذي تشمئز من الأنفس وتكره منظرهما ورائحتهما، بل يحبس الإنسان داخل جسمه الريح ذو الرائحة الكريهة، ويتمخط أي إنسان من أنفه مخاط تعافيه النفس وتكره منظره، فهل لمن يحمل في جسمه ويخرج هذه الأشياء أن يتكبر؟
عمر الإنسان على الأرض سنين معدودة، مهما طال به العمر، فلابد من الموت، عمر الأرض ملايين السنين، وعمر الإنسان محدود، فحتى لو بلغ ألف عام أو أكثر فسوف يموت الإنسان.
الإنسان يموت منه ملايين الخلايا كل يوم وتنشأ خلايا جديدة، وتتجدد الأنسجة تلقائياً (فيما عد خلايا الجهاز العصبي)، أي أن الإنسان يموت جزء وتولد فيه الخلايا يوميا ً"يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون" (الروم: 19) ، بل إن أجزاء من جسم الإنسان مثل الأظافر والشعر عندما تنمو يتم قصها والتخلص منها في القمامة، بل إن أي إنسان يمكن أن يتعرض لحادث فيبتر جزء من ذراعه أو ساقه، أو غير ذلك من أعضاء الجسم، فيدفن هذا الجزء من الجسم وصاحب الجسم حي يرزق، فهل لكائن تموت خلاياه وتولد فيه خلايا أخرى ويرمى أجزاء منه في القمامة أن يتكبر؟
أي إنسان يتعرض للمرض بسب ميكروبات صغيرة لا ترى بالعين المجردة، وتسبب أمراض متفاوتة الشدة والخطورة، وبعضها قد يسبب عاهات، أو يسبب الوفيات، كما قد يمرض الإنسان أمراضاً عضوية أخرى، فالإنسان مخلوق ضعيف ".... وخلق الإنسان ضعيفاً" (سورة النساء: 28) فهل يوجد إنسان لا يمرض؟
في بداية رحلة الإنسان في الدنيا يكون ضعيفاً، ففي البداية يكون من اتحاد النطفتين المذكرة والمؤنثة في رحم الأم، ثم ينمو ويكون مضغة ثم علقة ثم يتكون الجنين، ويخرج من بطن الأم ضعيفاً لا حول له ولا قوة ترضعه الأم لمدة عامين، ثم ينمو ويكبر حتى يبغ أشده ومن يعمر في الأرض تتدهور صحته ويصل لمرحلة الشيخوخة ويصير ضعيفاً ويحتاج إلى الرعاية مثل الطفل الصغير "وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخَلْقِ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ "‏ (‏ يس‏:68). فهل لمن هو ضعيف في أول حياته وآخرها أن يتكبر؟
هل فكر أي إنسان أن الهواء الذي يستنشقه؟  فقد تكون بعض جزيئات هذا الهواء قد دخلت جسم إنسان آخر أقل من شأناً، أو قد تكون هذه الجزيئات قد دخلت جسم حيوان آخر مثل الكلب أو القط أو الفأر أو حتى ذبابة أو نملة.
هل فكر الإنسان في طعامه الذي يتناوله، وجزيئات هذا الطعام؟ فربما كانت هذه الجزيئات مخلفات وروث للبهائم، فروث البهائم بعد تحلله يصبح سماد عضوي عني بالعناصر الغذائية ويمد النبات بالعناصر الغذائية الضرورية، وربما صار تراب الناتج عن تحلل جثمان إنسان غذاء للنبات، ويتناول هذا الغذاء، فربما جزيئات الغذاء الذي نتناوله مرت في أجساد عدد كبير من البشر قبلنا، وربما مرت هذه الجزيئات بأجساد عدد من الحيوانات صغرت هذه الحيوانات أم كبرت، هذا فضلاً عن اللحوم التي نأكلها للحيوانات الأليفة التي أحل الله أكل لحومها، ومخلفاتها تستخدم في السماد للنباتات، فهل من كانت جزيئات غذائه والجزيئات المكونة لجسمه قد تكون مخلفات لحيوانات، وقد تكون مرت بأجساد بشر آخرين، وقد تكون جزيئات لبشر أو مخلوقات أخرى في المستقبل هل له أن يتكبر!!!!!!
جسم الإنسان بعد موته يكون غذاء للديدان والميكروبات في القبر، ومن لا يدفن تصبح جثته رميماً تأكل الطير منه والكلاب وغيرها من الحيوانات التي تأكل اللحم، بل الإنسان قد يكون طعاماً وهو حي لبعض الحيوانات المفترسة مثل الأسد، أو النمر في على اليابسة، أو طعاماً للحيتان أو أسماك القرش في البحار والمحيطات، فهل لمخلوق هو غذاء لغيره من المخلوقات أن يتكبر؟
حجم الإنسان في الكون لا يذكر، فأي إنسان مهما كان غنياً له الكثير من الممتلكات يشغل جزء بسيط جداً على اليابسة على سطح الأرض، وحجم اليابسة على الأرض أقل من ربع كوكب الأرض،  والأرض كوكب في المجموعة الشمسية، والمجموعة الشمسية مجموعة كواكب تدور حول الشمس، وهي جزء صغير في  مجرة درب التبانة، و مجرة درب التبانة هي واحدة من مجرات عديدة في السماء أي هذه المجرة هي جزء بسيط في الفضاء الواسع في السماء الدنيا،  أما بقية السموات السبع فلا يعلمها إلا الله، فحجم الإنسان في الكون ضئيل جداً ولا يذكر، وأقل بكثير من نقطة مياه في محيط من محيطات الأرض، فالتواضع لخالق الكون واجب.
أئمة المتكبرين ذكرهم الله في القرآن، واخبرنا الله أن مصيرهم النار يوم القيامة، فمنهم:
 إبليس العين الذي طرده الله من رحمته حينما تكبر بسبب طبيعة المادة المخلوق منها وظن أنه أفضل من آدم لأنه خلق من نار وآدم خلق من طين، ورفض أمر الله سبحانه وتعالى الذي خلقه بالسجود لآدم، فكان جزاءه الطرد من رحمة الله في الدنيا والآخرة، فقد قال الله تعالى في سورة (ص):" إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ(71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ(72) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ(73) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ(74) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ(75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ(76) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ(77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ(78) قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ(80) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ(83) قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ(84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85)" ولذلك فإن إبليس أول من تكبر من الخلق، ومن يتكبر من البشر ظناً أنه خلق من طينة أخرى غير باقي البشر (رغم أننا جميعاً من أبناء آدم وكل البشر من نفس الطينة) فهو في ذلك يتبع إبليس اللعين في خلق التكبر ومصيره إلى جهنم يوم القيامة.
وفرعون مثل لكل متكبر عبر التاريخ أغراه ملكه ليتكبر على الناس "إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ" (٦) (القصص)، فظن فرعون أنه إله يعبده الناس في الأرض، ولم يستجب لدعوة الحق التي حملها له موسى وهارون عليهما السلام، وكان مصيره أن غرق في البحر، " وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)" ( القصص)، فمن يتكبر لملكه وسلطانه سوف يحشر مع فرعون يوم القيامة، فلا يتكبر ذو سلطان وليأخذ من فرعون عبرة وعظة.
وقارون من أئمة المتكبرين بسبب الغنى وكثرة المال، تكبر قارون على الناس وقال إنما أتيته على علم عندي، ولم يذكر نعم الله عليه، ولم ينسب الفضل لله، فكان عبرة لغيره عبر التاريخ، وكان جزاؤه في الدنيا أن خسف الله به وبداره الأرض، وهو في الآخرة من الخاسرين، وكما يقول رب العزة في سورة القصص  " إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82).
ومن أئمة المتواضعين الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون، ومن المواقف التي ذكرها الله في القرآن توضح التواضع والتكبر وتم ذكرها في هذا المقال أن الملائكة سجدوا لآدم عندما أمره الله واستكبر إبليس اللعين، ولم يقولوا خلقتنا من نور وخلقته من طين، بل أطاعوا الله واتبعوا أمره.
وإمام المتواضعين للبشرية أجمعين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله عز وجل ليعلم البشرية الأخلاق، قدوة المسلمين إلى يوم الدين ، " لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخر وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً" (الأحزاب:21)، فسيرته صلى الله عليه وسلم مليئة بدروس التواضع، واذكر منها أن رجلا كلم النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فأخذته الرعدة فقال النبي صلى الله عليه وسلم هون عليك فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد (أخرجه الحاكم في المستدرك، حديث صحيح)، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور الأنصار ويسلم على صبيانهم ويمسح رؤوسهم (أخرجه ابن حبان في صحيحه)، وسئِلت عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنَع في بيته؟ قالت: يكون في مهنة ، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة. (رواه البخاري)
فالتكبر صفة تبعد الإنسان عن رضا الله، وتؤدي بالإنسان إلى النار، والتواضع صفة حميدة تقربنا إلى الله وتقربنا إلى الجنة.
المصدر: مجلة الفرقان الكويتية: الاثنين 10 ذو القعدة 1431 هـ -18 أكتوبر 2010 م – العدد 605 – صـ38 – 40 - http://www.al-forqan.net/articles/766.html
الكلمات الدالة: تواضع، تكبر، الجنة، النار، إبليس، فرعون، قارون، الملائكة، الأنبياء، الرسول، موت، خلايا، قرآن، أحاديث، ميكروبات، فضلات، تراب، أخلاق.
مقالات ذات صلة:
نعمة المرض من وجههة أخرى

ضع نفسك مكان الآخر


حلم الخلود



حلم الخلود
 د. زياد موسى عبد المعطي أحمد
الخلود هو استمرار الحياة بلا موت وأن تكون الحياة أبدية بلا نهاية، حلم الخلود حلم يراود كل البشر منذ أبونا آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، حلم الخلود قد يكون حلم قد يدفعنا إلى العمل الصالح، وقد يكون حلم الخلود دافع للمعصية والتكبر على خلق الله، حلم الخلود قد يؤدي بنا إلى الجنة يوم القيامة، أو قد يؤدي إلى عكس ذلك، حلم الخلود صحح مفهومه الإسلام، فلا خلود في الدنيا، وكل نفس سوف تموت.

حلم الخلود بلا موت تحلم به النفس البشرية منذ بدء الخلق، فهذا الحلم هو الذي أخرج أبونا آدم وأمنا حواء من الجنة نتيجة إغواء الملعون الرجيم إبليس، "فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى، فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى، ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى، قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى" (طه: 120 – 123)،  وقال الله تعالى " فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ، وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ،  فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ، قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ،  قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ".  (الأعراف 20 – 24).
ولذلك حلم الخلود هو أحد أهم أسلحة الشيطان في غواية البشر ودفعهم إلى معصية الله، فكما أن حلم الخلود كان سلاح إبليس اللعين في إخراج أبوينا (آدم وحواء) من الجنة في بداية حياتهما، فهو أحد أهم أسلحته لعدم دخول الكثير من البشر للجنة يوم القيامة.

ونحن نعلم جميعاً أنه لا خلود في الدنيا ولابد من الموت لا محالة، فالله سبحانه وتعالى أخبرنا أن كل مخلوق سوف يموت " كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ" (العنكبوت: 57)، "كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ" (الرحمن: 26 -27)، وأخبر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم وأخبر البشرية كلها أنه لم ولن يخلد أحد في الدنيا "وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ" (الأنبياء: 34).
ونحن المسلمون نؤمن بأن الخلود يكون يوم القيامة، الخلود في الجنة للصالحين، والخلود في النار للكافرين، وذكر الله سبحانه تعالى في قرآنه في أكثر من موضع آيات تدل على ذلك، منها قوله سبحانه وتعالى "بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" (البقرة: 81-82). وفي ذلك يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار، جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار ثم يذبح، ثم ينادي منادٍ: يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت، فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنا على حزنهم" (متفق عليه).
والموت وعدم الخلود في الدنيا هو دافع للعمل الصالح لكي ننال الجائزة يوم القيامة بالخلود في الجنة بإذن الله، فالله عز وجل يقول "الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ" (الملك:2). فيجب علينا الاستعداد للموت والاستعداد ليوم الرحيل، وفي ذلك نجد الحديث الشريف الذي رواه أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، قلنا: يا رسول الله! كلنا يكره الموت، قال: ليس ذلك كراهية الموت، ولكن المؤمن إذا حضر جاءه البشير من الله، فليس شيء أحب إليه من أن يكون قد لقي الله فأحب الله لقاءه، وإن الفاجر أو الكافر إذا حضر جاءه ما هو صائر إليه من الشر، أو ما يلقى من الشر، فكره لقاء الله، فكره الله لقاءه." (حديث صحيح – الألباني- صحيح الترغيب)، بل إن حب الدنيا وحب الخلود فيها وكراهية الموت من أهم أسباب الوهن والضعف في الأمة الاسلامية، فكما يروي ثوبان مولى رسول الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "يوشك الأمم أن تداعى عليكم ، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل : و من قلة نحن يومئذ ؟ قال : بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، و لينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، و ليقذفن الله في قلوبكم الوهن، فقال قائل : يا رسول الله و ما الوهن؟ قال حب الدنيا و كراهية الموت" (حديث صحيح – الألباني – السلسلة الصحيحة).
فيجب أن نستعد للموت وأن نتزود بالعمل الصالح الذي ينتج عن تقوى الله (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى). (البقرة: من الآية 197)، وكما يروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في تعريف التقوى بأنها: "الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل"، وقال رجل لأبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ما التقوى؟ قال: أخذت طريقا ذا شوك؟ قال: نعم. قال: كيف صنعت؟ قال: إذا رأيت الشوك عدلت عنه أو جاوزته أو قصرت عنه. قال: ذاك التقوى (رواه ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى)
وعن التقوى أنشد ابن المعتز فقال:
خل الذنوب صغيرها ........ وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماش فوق أر ..... ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة ........... إن الجبال من الحصا 
إذا لم يكن هناك خلود في الدنيا والموت حتمي لكل مخلوق، فالأعمال تخلد ذكرى صاحبها بعد موته، وأعمال الانسان أطول منه عمراً، وخلود الأعمال والذكرى إما أعمالاً صالحة وذكرى طيبة، أو غير ذلك. فكما يقول الشاعر:
دقات قلب المرء قائلة له................إن الحياة دقائق وثوان
فاعمل لنفسك قبل موتك ذكرها.......فالذكر للإنسان عمر ثان

الكلمات الدالة: حلم، الخلود، الجنة، النار، الحياة، الموت، القرآن، القصص، رئيس، علماء، أنبياء، خلفاء، علم، مال، ولد، إنسان

العلاج بالفيروسات


يمكن ذلك حيث انه يوجد أنواع من الفيروسات تعرف بالفيروسات البكتيرية تستخدم لعلاج الأمراض البكتيرية التي تصيب الإنسان والحيوان والنبات. وكذلك توجد فيروسات أخري تستخدم لعلاج السرطان.
  العلاج بالفيروسات
بقلم: د. زياد موسى عبد المعطي
المعروف لدي عامة الناس ان الفيروسات تسبب أمراضاً خطيرة للإنسان بعضها قد يؤدي إلى الوفاة مثل أمراض شلل الأطفال والجدري والأنفلونزا بأنواعها وغيرها من الأمراض الخطيرة، كما ان الفيروسات تسبب أمراضاً خطيرة للحيوان والنبات. فهل يمكن ان تستخدم الفيروسات في علاج الأمراض؟ 
نعم يمكن ذلك حيث انه يوجد أنواع من الفيروسات تعرف بالفيروسات البكتيرية تستخدم لعلاج الأمراض البكتيرية التي تصيب الإنسان والحيوان والنبات. وكذلك توجد فيروسات أخري تستخدم لعلاج السرطان.
  علاج الأمراض البكتيرية بالفيروسات البكتيرية "أو البكتيريوفاج أو الفاج" وهو علم له العديد من المتخصصين في العالم حالياً. وهذا العلاج يتم منذ بدايات القرن الماضي بنجاح كبير. 
فتوجد أنواع من الفيروسات البكتيرية تسبب دماراً للخلايا البكتيرية التي تصيبها فعندما يغزو فيروس خلية بكتيرية يتمكن من السيطرة عليها ويجبرها على نسخ عدد من المحتوي الوراثي للفيروس ويتم في النهاية تدمير الخلية البكتيرية وينطلق عشرات أو مئات من هذه الفيروسات لتصيب خلايا بكتيرية أخري وتتكرر هذه العملية حتى تقضي هذه الفيروسات على البكتيريا الضارة الموجودة في الجسم. 
وهذه الفيروسات لها درجة عالية من التخصص حيث ان كل فيروس يصيب عددا قليلا من الأنواع البكتيرية أو يصيب نوعاً واحدا من البكتيريا. بل في بعض الحالات يصيب سلالات معينة من النوع الواحد ولا يصيب سلالات أخري من نفس النوع، وكذلك فإن النوع الواحد من البكتيريا يمكن ان يصيبه أكثر من نوع من هذه الفيروسات البكتيرية.  
هذا الاستخدام للفيروسات البكتيرية التي تسمي أيضاً بالبكتيريوفاج أو الفاج يسمي بعلم العلاج بالفاج أو phage therapy ، وتستخدم بنجاح منقطع النظير في دول أوروبا الشرقية ودول الاتحاد السوفيتي السابق منذ بدايات القرن الماضي. ويستخدمه الأطباء هناك في علاج مختلف الأمراض البكتيرية وقد استخدمه علماء الاتحاد السوفيتي السابق بنجاح كبير في علاج الجرحى والمرضي في أثناء الحرب العالمية الثانية وتقدم هذا العلم دول الكتلة الشرقية بشكل واضح ومنعت الحرب الباردة آنذاك من انتشاره في العالم وكانت الأبحاث في هذا المجال تنشر باللغات المحلية لهذه الدول. 
أما الولايات المتحدة والدول الغربية فقد بدأت أبحاث العلاج بالفيروسات البكتيرية في بدايات القرن الماضي أيضاً ولكن ظهور المضادات الحيوية في الأربعينيات جعل هذه الدول تهمل هذا الجانب من الأبحاث بسبب ان المضادات الحيوية لها مجال واسع ضد البكتيريا، ولكن مع ظهور السلالات المقاومة للمضادات الحيوية وانتشار هذه الطفرات التي جعلت البكتيريا تقاوم المضادات الحيوية وكذلك بسبب الآثار الجانبية للمضادات الحيوية اضطرت الدول الغربية للعودة لأبحاث العلاج بالفيروسات البكتيرية لما لها من مزايا كثيرة عن المضادات الحيوية.
ونشطت هذه الأبحاث في الدول الغربية في التسعينيات وساعدهم في ذلك انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي السابق. مما ساعد علي نقل الخبرات في هذا المجال من الدول الشرقية للدول الغربية. 
 وللعلاج بالفيروسات البكتيرية مزايا كثير عن العلاج بالمضادات الحيوية منها: 
1.           هذه الفيروسات تتكاثر عندما تصيب الخلايا البكتيرية الممرضة. ومن ثم ففي الغالب جرعة واحدة فقط كافية للقضاء على البكتيريا الممرضة كلها الموجودة في الجسم بعكس المضادات الحيوية التي تحتاج لعدة جرعات.
2.           هذه الفيروسات متخصصة تصيب فقط البكتيريا الممرضة المستهدفة ولا تؤثر على البكتيريا الأخرى النافعة داخل جسم الإنسان بعكس المضادات الحيوية التي لا تميز بين البكتيريا النافعة والضارة.
3.           هذه الفيروسات تتكاثر عندما تكون البكتيريا الممرضة المستهدفة موجودة. فإذا قضت عليها كلها توقف نموها. 
4.           حجمها صغير وتصل للبكتيريا المستهدفة أينما وجدت في الجسم. ويتركز تكاثرها في مكان الإصابة البكتيرية فقط. بعكس المضادات الحيوية التي تؤثر في جميع أنحاء الجسم. 
5.           هذه الفيروسات ليس لها أي أضرار جانبية وليس لها موانع استعمال. فتم استخدامها بنجاح في علاج الأطفال حديثي الولادة والحوامل. بعكس الكثير من المضادات الحيوية ذات الآثار الجانبية الكثيرة وكذلك لها موانع استعمال عديدة. 
6.           لا تسبب هذه الفيروسات حساسية بعكس المضادات الحيوية التي قد تسبب أحياناً نوعاً من الحساسية. 
7.           الفيروسات البكتيرية يمكن ان تستخدم للوقاية من الأمراض البكتيرية كما تستخدم لعلاجها أيضاً. 
8.           تستخدم هذه الفيروسات كخليط من عدد من الفيروسات من "3 إلى 6" التي تصيب البكتيريا الواحدة وذلك لتجنب حدوث الطفرات المقاومة من البكتيريا فإذا حدثت طفرة وقاومت البكتيريا فيروساً معينا تصاب بالآخر. بعكس المضادات الحيوية التي من السهل ان تنتج البكتيريا سلالات مقاومة ضدها.
9.           اكتشاف أنواع جديدة من الفيروسات البكتيرية أسرع وأسهل وأقل تكلفة من اكتشاف مضادات حيوية جديدة.
10.     التكلفة الاقتصادية لإنتاج هذه الفيروسات أقل التكلفة اللازمة لإنتاج المضادات الحيوية.
11.     ويمكن استخدام هذه الفيروسات في جميع الصور الدوائية في صورة أشربة أو مراهم أو حقن أو حبوب.
  وتخصص الفيروسات البكتيرية يعتبر عيباً أحياناً. فمثلاً عندما تكون هناك إصابة بكتيرية محتمل ان تكون أحد ثلاثة أو أربعة أنواع من البكتيريا. كان في البداية لابد من معرفة نوع البكتيريا الممرضة ولكن أمكن تلافي هذا العيب بعمل خليط من الفيروسات البكتيرية التي تصيب جميع أنواع البكتيريا الممرضة المحتملة للمرض معين. 
   وهذه الفيروسات تستخدم أيضا بنجاح في مكافحة الأمراض البكتيرية التي تصيب الإنسان الحيوانات والنباتات
بل تستخدم كذلك في حفظ الأغذية ومنع الفساد البكتيري للأغذية وأيضاً تستعمل في مكافحة التلوث البكتيري للمياه
وفي الوطن العربي المتخصصون في هذا المجال محددون والأبحاث في هذا المجال محدودة. وكاتب هذه السطور له أبحاث في استخدام الفيروسات البكتيرية في مكافحة الأمراض النباتية. وأعطت نتائج أفضل من غيرها من الوسائل الأخرى للقضاء على المرض البكتيري محل دراسته.
       أما عن الفيروسات التي تستخدم لعلاج السرطان فهي لا تزال في طور الأبحاث حيث تجري في السنوات الأخيرة أبحاث في الولايات المتحدة وبريطانيا والصين وغيرها من الدول لاستخدام فيروسات متخصصة في القضاء على الخلايا السرطانية ولا تسبب أي أذى أو ضرر لخلايا الجسم العادية وقد استخدمت هذه الفيروسات لعلاج سرطان الرئة والقولون والكبد وغيرها من أنواع السرطان على فئران التجارب كإحدى مراحل البحث وأعطت نتائج مبشرة وهذه الأبحاث من شأنها ان تفتح مجالاً جديداً في علاج السرطان.    
المصدر: مقالة منشورة في جريدة الجمهورية - الأربعاء 25 من شوال 1430هـ - 14 من أكتوبر 2009م – العدد 20379- رأي وراي - صـ 12

الفيروسات الصديقة "2"


هل يمكن ان تستخدم الفيروسات في علاج الأمراض البشرية؟
الفيروسات الصديقة "2"
بقلم: د. زياد موسي عبد المعطي
المعروف لدي عامة الناس أن الفيروسات تسبب أمراض خطيرة للإنسان، بعضها قد يؤدي إلى الوفاة مثل أمراض شلل الأطفال والجدري والانفلونزا بأنواعها وغيرها من الأمراض الخطيرة، فهل يمكن ان تستخدم الفيروسات في علاج الأمراض البشرية؟ 
نعم يمكن ذلك فيمكن علاج الأمراض البكتيرية بالفيروسات البكتيرية "أو البكتيريوفاج أو الفاج"، وهو علم له العديد من المتخصصين في العالم حالياً، وهذا العلاج يتم استخدامه منذ بدايات القرن الماضي بنجاح كبير. 
هناك أنواع من الفيروسات البكتيرية تسبب دمارا للخلايا البكتيريا التي تصيبها، فعندما يغزو فيروس خلية بكتيرية يتمكن من السيطرة عليها، ويجبرها على نسخ عدد من المحتوي الوراثي للفيروس، ويتم في النهاية تدمير الخلية البكتيرية وينطلق عشرات أو مئات من هذه الفيروسات لتصيب خلايا بكتيرية جديدة.
هذه الفيروسات لها درجة عالية من التخصص حيث ان كل فيروس يصيب عدد قليل من الأنواع البكتيرية، أو يصيب نوع واحد من البكتيريا، بل في بعض الحالات يصيب سلالات معينة من النوع الواحد ولا يصيب سلالات أخري من نفس النوع، وكذلك فإن النوع الواحد من البكتيريا يمكن ان يصيبه أكثر من نوع من هذه الفيروسات البكتيرية. 
هذا الاستخدام للفيروسات البكتيرية التي تسمي أيضا بالبكتيريوفاج أو الفاج يسمي بعلم العلاج بالفاج أو Phage Therapy، وتستخدم بنجاح منقطع النظير في دول أوروبا الشرقية ودول الاتحاد السوفيتي السابق منذ بدايات القرن الماضي، ويستخدمه الاطباء هناك في علاج  مختلف الأمراض البكتيرية، وقد استخدمه علماء الاتحاد السوفيتي السابق بنجاح كبير في علاج  الجرحى والمرضي في أثناء الحرب العالمية الثانية، وتقدم هذا العلم في دول الكتلة الشرقية بشكل واضح، ومنعت الحرب الباردة آنذاك من انتشاره في العالم، وكانت الأبحاث في هذا المجال تنشر باللغات المحلية لهذه الدول. 
أما الولايات المتحدة والدول الغربية فقد بدأت أبحاث العلاج بالفيروسات البكتيرية في بدايات القرن الماضي أيضاً، ولكن ظهور المضادات الحيوية في الأربعينيات جعل هذه الدول تهمل هذا الجانب من الأبحاث لما للمضادات الحيوية من مجال واسع ضد البكتيريا، ولكن مع ظهور السلالات المقاومة للمضادات الحيوية، وانتشار هذه الطفرات التي جعلت البكتيريا تقاوم المضادات الحيوية، وكذلك لما للمضادات الحيوية من آثار جانبية، اضطرت الدول الغربية للعودة لأبحاث العلاج بالفيروسات البكتيرية لما لها من مزايا كثيرة عن المضادات الحيوية، ونشطت هذه الأبحاث في الدول الغربية في التسعينيات، وساعدهم في ذلك انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي السابق مما ساعد علي نقل الخبرات في هذا المجال من الدول الشرقية للدول الغربية. 
وللعلاج بالفيروسات البكتيرية مزايا كثيرة عن العلاج بالمضادات الحيوية منها: 
1-           هذه الفيروسات تتكاثر عندما تصيب الخلايا البكتيرية الممرضة، ومن ثم ففي الغالب جرعة واحدة فقط كافية للقضاء على البكتيرية الممرضة كلها الموجودة في الجسم بعكس المضادات الحيوية التي تحتاج لعدة جرعات. 
2-           هذه الفيروسات متخصصة تصيب فقط البكتيريا الممرضة المستهدفة، ولا تؤثر على البكتيريا الأخرى النافعة داخل جسم الإنسان بعكس المضادات الحيوية التي لا تميز بين البكتيريا النافعة والضارة. 
3-           هذه الفيروسات تتكاثر عندما تكون البكتيريا الممرضة المستهدفة موجودة فإذا قضت عليها كلها توقف نموها. 
4-           حجمها صغير وتصل للبكتيريا المستهدفة أينما وجدت في الجسم، ويتركز تكاثرها في مكان الإصابة البكتيرية فقط بعكس المضادات الحيوية التي تؤثر في جميع أنحاء الجسم. 
5-           هذه الفيروسات ليس لها أي أضرار جانبية، وليس لها موانع استعمال، فتم استخدامها بنجاح في علاج الاطفال حديثي الولادة والحوامل بعكس الكثير من المضادات الحيوية ذات الاثار الجانبية الكثيرة، وكذلك لها موانع استعمال عديدة. 
6-           لا تسبب هذه الفيروسات حساسية بعكس المضادات الحيوية التي قد تسبب أحيانا نوعا من الحساسية. 
7-           الفيروسات البكتيرية يمكن ان تستخدم للوقاية من الأمراض البكتيرية كما تستخدم لعلاجها أيضا. 
8-           تستخدم هذه الفيروسات كخليط من عدد الفيروسات "من 3 إلى 6" التي تصيب البكتيريا الواحدة وذلك لتجنب حدوث الطفرات المقاومة من البكتيريا فإذا حدثت طفرة وقاومت البكتيريا فيروس معين تصاب بالآخر بعكس المضادات الحيوية التي من السهل ان تنتج البكتيريا سلالات مقاومة ضدها. 
9-           اكتشاف أنواع جديدة من الفيروسات البكتيرية أسرع وأسهل وأقل تكلفة من اكتشاف مضادات حيوية جديدة. 
10-     التكلفة الاقتصادية لإنتاج هذه الفيروسات أقل التكلفة الاقتصادية لإنتاج المضادات الحيوية.
11-     ويمكن استخدام هذه الفيروسات في جميع الصور الدوائية في صورة أشربة أو مراهم أو حقن أو حبوب. 
وتخصص الفيروسات البكتيرية قد يعتبر عيباً أحيانا فمثلاً عندما تكون هناك إصابة بكتيرية، ومن المحتمل ان تكون البكتيريا الممرضة أحد ثلاث أو أربع أنواع من البكتيريا، كان في البداية لابد من معرفة نوع البكتيريا الممرضة ولكن أمكن تلافي هذا العيب بعمل خليط من الفيروسات البكتيرية التي تصيب جميع الأنواع البكتيرية الممرضة المحتملة لمرض معين. 
وهذه الفيروسات تستخدم أيضا بنجاح في مكافحة الأمراض البكتيرية التي تصيب الانسان كما تستعمل بنجاح في علاج أمراض الحيوانات وأمراض النباتات
بل تستخدم كذلك في حفظ الأغذية ومنع الفساد البكتيري للأغذية وأيضا تستعمل في مكافحة التلوث البكتيري للمياه. 
وفي الوطن العربي المتخصصون في هذا المجال قليلون والأبحاث في هذا المجال محدودة وكاتب هذه السطور له أبحاث في استخدام الفيروسات البكتيرية في مكافحة الأمراض النباتية وأعطت نتائج أفضل من غيرها من الوسائل الأخرى للقضاء على المرض البكتيري محل دراسته فنأمل ان تنشط الأبحاث في العالم العربي في هذا المجال. 
 المصدر: جريدة الجمهورية: الأربعاء 9 من ذي القعدة 1430هـ -28 من أكتوبر 2009م – العدد 20393 – صـ 13