السبت، 6 ديسمبر 2014

البناء على الأراضي الزراعية

البناء على الأراضي الزراعية

د. زياد موسى عبد المعطي أحمد
التعدي على الأراضي الزراعية والبناء عليها أراه مشكلة كبيرة تؤثر على مستقبل الوطن، وخلال هذه السطور أحاول أن أتناوله من منظور المسئولين ومن وجهة نظر المواطنين في الأرياف وأن أقترح حلولاً.
من وجهة نظر المسئولين تمثل هذه الظاهرة مشكلة كبيرة من حيث:
 تناقص مساحة الأراضي الزراعية يؤدي إلى قلة الإنتاج الزراعي، وهو ما يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك من المواد الغذائية وغيرها من المنتجات الزراعية الأخرى ويترتب عليه زيادة الاستيراد ويؤدي إلى ضعف الاقتصاد.
وكذلك تناقص مساحة الأراضي الزراعية يؤدي إلى التأثير على الكثير من الصناعات المرتبطة بالزراعة مثل صناعة الغزل والنسيج المرتبطة بمحصول القطن، وصناعات حفظ الأغذية.
 فضلاً عن ارتفاع أسعار الأعلاف الذي يؤدي إلى ارتفاع أسعار المنتجات الحيوانية من لحوم ومنتجات ألبان وبيض وغير ذلك.
والاستمرار في ظاهرة البناء على الأراضي الزراعية سيؤدي مع الوقت القريب إلى تلاحم وتلاصق القرى والمدن ويجعل الدلتا بالذات مدينة كبيرة، وهو يمثل أيضاً مشكلة بيئية فتناقص المساحة الخضراء يؤدي إلى تزايد تلوث الهواء، ويؤدي إلى العديد من الأمراض.
وتعويض المساحة التي تم البناء عليه من الأراضي الزراعية من خلال استصلاح الأراضي الصحراوية يستغرق وقتاً كبيراً وأموالاً كثيرة.
وعندما أرى هذه المشكلة من وجهة النظر الأخرى أجد هناك مبررات من أهل الأرياف الذين يقومون بالبناء على الأراضي الزراعية: 
من حق سكان الأرياف كمواطنين توفير المسكن المناسب لهم ولأولادهم، فقد توسع سكان القرى توسعاً رأسياً ببناء منازلهم عدة طوابق، ومع الزيادة السكانية اضطروا للبناء في الأراضي الزراعية.
دخل الفلاح من الزراعة لم يعد مثل السابق في ظل تدهور أسعار بعض المحاصيل الرئيسية مثل القطن، ومع ارتفاع مدخلات الإنتاج من تقاوي وأسمدة ومبيدات أصبحت الزراعة لقطاع كبير من الفلاحين غير مربحة.
تفتيت الملكية الزراعية مع ثبات المساحة الزراعية بل وتناقصها، وتفتت المساحة الزراعية بين الورثة، حيث كانت المساحة التي يتملكها أو يستأجرها الفلاح في الخمسينات والستينات من القرن الماضي حوالي ثلاثة فدادين أو فدانين ونصف، والآن صار نصيب الوريث من أبناء هؤلاء المزارعين أقل من فدان، وهو دخل الزراعة للفرد.
تبوير الأراضي وبيعها كأراضي سكنية تمثل عملية مربحة بسبب ارتفاع أسعار أراضي المباني عن الأراضي الزراعية.
ومن وجهة نظري أرى الحلول فيما يلي:
إقامة مجتمعات عمرانية جديدة: حيث تمثل إقامة المدن والقرى قوى سحب للتجمعات السكانية في الوادي القديم، وتقلل من التكدس السكاني الموجود حالياً، ويجب أن تكون هذه المجتمعات العمرانية كاملة المرافق من حيث وجود مياه الشرب، والطرق، والمدارس والمستشفيات، وغير ذلك.
استصلاح أراضي جديدة في الصحراء: وذلك لتعويض الأراضي التي تم فقدها بالبناء عليها في الوادي القديم، وتشجيع الشباب على تملك هذه الأراضي بأسعار مخفضة، أو استجارها بأسعار رمزية.
رعاية المزارعين بتوفير مدخلات الإنتاج بأسعار مناسبة، وضمان تسويق المحاصيل بأسعار تجعل الزراعة مهنة مربحة، وأرى أن خسارة الفلاحين مادياً يجعل عملية تبوير الأراضي تزداد.
تشجيع الاستثمارات في المجتمعات العمرانية الجديدة بتشريعات تحفز المستثمرين على إقامة مشروعاتهم الجديدة في هذه المجتمعات وعمل مساكن للعاملين معهم بجوار مشروعاتهم.
نرجو أن نتمكن من زيادة رقعة المساحة الزراعية من خلال الحفاظ على الأراضي الزراعية الحالية، وزيادة استصلاح الأراضي بمعدل أعلى، وأن تكون تغليظ العقوبات للبناء على الأراضي الزراعية أحد الحلول لكن بعد دراسة المشكلة وحلها من جذورها لأني أرى أن الاعتماد على تغليظ العقوبات فقط مجرد مسكن للمشكلة بينما الأسباب لم يتم علاجها.
المصدر: مقالة منشورة في جريدة الجمهورية - السبت 14 من صفر 1436 هـ - 6 من ديسمبر 2014 م - العدد 22258  - صـ 15

الخميس، 6 نوفمبر 2014

البيئة والوقاية من الأمراض

 البيئة والوقاية من الأمراض
د. زياد موسى عبد المعطي أحمد
zeiadmoussa@gmail.com
قديماً قالوا الوقاية خير من العلاج، والكثير من الأمراض المنتشرة تنتج عن عوامل بيئية، وبمعالجة هذه المسببات يمكننا تفادي حدوث هذه الأمراض، فالاهتمام بصحة الانسان يبدأ بالاهتمام بالبيئة:
تلوث الماء: يسبب الفشل الكلوي واضرابات الجهاز الهضمي والكوليرا والتيفويد والعديد من الأمراض، ولذلك يجب توفير مياه شرب نقية لجميع المواطنين، واستخدام تقنية تحليه مياه البحر لتوفير مياه شرب للمناطق الساحلية، ومعالجة مياه الصرف الصحي والصناعي قبل القاءها في المجاري المائية وإعادة استخدامها في الأغراض التي لا تسبب ضرر لصحة الإنسان.
استعمال المبيدات الزراعية: استخدام المبيدات بإسراف في مقاومة الآفات التي تصيب النباتات له آثار سلبية مدمرة على صحة الإنسان وعلى عناصر البيئة المختلفة، ولذلك فإنه من المهم تشديد الرقابة على المبيدات المتداولة في الأسواق، وكذلك يجب أن يؤدي البحث العلمي دوراً فعالاً في ابتكار بدائل آمنة لمكافحة الآفات النباتية لا تضر بصحة الإنسان أو البيئة.
الاهتمام بصحة الحيوانات: والاهتمام بالأمراض المشتركة التي تصيب الإنسان والحيوانات مثل أنفلونزا الطيور وأنفلونزا الخنازير والاهتمام الثروة الحيوانية لتوفير البروتين من المصدر الحيواني.
الأغذية: الاهتمام بصحة الإنسان يبدأ بتناول الغذاء، فيجب تشديد الرقابة على الأسواق للتأكد من سلامة الأغذية المتداولة في الأسواق وعدم فساد وتلوث الأغذية، وكذلك توفير أغذية مختلفة تمثل وجبة غذائية متكاملة من أجل الوقاية من الأمراض الناتجة عن نقص بعض العناصر الغذائية، والأهم من ذلك توفير الأغذية المختلفة بأسعار مناسبة للمواطن محدود الدخل.
القمامة: يسبب تراكم القمامة إلى تواجد الحشرات الضارة، ويؤدي لوجود القوارض، بل قد يؤدي لوجود الثعابين، فضلاً عن الروائح الكريهة، وذلك يؤدي لانتشار الأمراض، والقمامة تعتبر ثروة يجب تدويرها واستثمارها في أوجه عديدة مثل إعادة تدوير المواد القابلة للتصنيع مرة أخرى مثل الورق والبلاستيك، وكذلك إنتاج البيوجاز الذي يمكن استعماله لإنتاج الكهرباء، فالقمامة يجب استثمارها بدلاً من تراكمها في الشوارع، ولا يجب حرقها لتزيد من تلوث الهواء.
تلوث الهواء: يسبب العديد من الأمراض حيث توجد تقارير دولية توضح أن معدل تلوث الهواء في القاهرة من 10 إلى 100 ضعف عن معدلات الأمان الدولية، وكذلك تلوث الهواء في المدن الكبرى مثل الإسكندرية والمنصورة وطنطا، وذلك يؤثر سلبياً في زيادة معدلات الإصابة السرطان وأمراض الجهاز التنفسي، وضيق الشرايين وغيرها من الأمراض، ولذلك يجب تقليل هذه الأمراض بمكافحة تلوث الهواء من خلال نقل المصانع خارج التجمعات السكانية، ومحاولة تقليل انبعاث العوادم من مداخن المصانع، وتشجيع تحويل الأتوبيسات والسيارات المختلفة للغاز الطبيعي بدلاً من السولار والبنزين، وكذلك استثمار قش الأرز وغيره من المخلفات الزراعية في استثمارات زراعية وصناعية، وإنتاج وقود حيوي بدلاً من التسبب في ظاهرة السحابة السوداء
الضوضاء: الأصوات المرتفعة التي تسبب التلوث السمعي أو الضوضاء تؤدي إلى الكثير من الأمراض مثل ضعف السمع، ارتفاع ضغط الدم، نقص ضخ الدم للقلب، اضطراب النوم، ويمكن تقليل مشكلة الضوضاء من خلال نقل المصانع والورش خارج التجمعات السكانية، واصدار التشريعات التي من شأنها تقليل استخدام أدوات التنبه في السيارات، وتقليل استعمال مكبرات الصوت في التجمعات السكانية، واستعمال أنواع من النوافذ تقلل الضوضاء القادمة من الشارع، حماية عمال المصانع من الأصوات العالية للماكينات بوضع سدادات على الأذن، وابتكار آلات تصدر عنها أصوات أقل حدة.
الزحام والتكدس السكاني: يزيد الكثير من المشاكل السالفة الذكر في السطور السابقة، فيزيد من التكدس المروري والضوضاء، ويزيد تلوث الهواء، ويمثل الزحام وسط مناسب لانتشار الأمراض المعدية وبالأخص الأمراض التي تصيب الجهاز التنفسي، كما يتسبب التكدس السكاني في وجود العشوائيات، وكذلك ظاهرة التحرش في وسائل الموصلات المزدحمة وما له من آثار نفسية سيئة، ولذلك فإني أرى فعلاج مشكلة الزحام يتمثل في إنشاء مجتمعات عمرانية جديدة في الصحراء المترامية الأطراف، وضرورة تعمير الصحراء حيث أن السكان في مصر يعيشون على 6 % فقط من مساحة مصر، فتعمير الصحراء حل لمشاكل كثيرة ووقاية من أمراض عديدة.
مقالة منشورة في موقع علامات أونلاين: الثلاثاء 4 نوفمبر 2014 

الاثنين، 6 أكتوبر 2014

العيد ... فرحة ... تكافل ... تصالح ...طاعة

 العيد ... فرحة ... تكافل ... تصالح ...طاعة
د. زياد موسى عبد المعطي
في الإسلام عيدان يأتيان بعد عبادتين وركنين من أركان الإسلام، عيد الفطر بعد فريضة الصوم، وعيد الأضحى يأتي بعد فريضة الحج، أرى في هذين العيدين حكم كثيرة منها ما يلي:
·              العيد فرصة للفرحة والسرور والترويح عن النفس في غير معصية لله: عن أنسٍ بن مالك قالَ: قدمَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ المدينةَ ولَهم يومانِ يلعبونَ فيهما فقالَ ما هذانِ اليومانِ قالوا كنَّا نلعبُ فيهما في الجاهليَّةِ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إنَّ اللَّهَ قد أبدلَكم بِهما خيرًا منهما يومَ الأضحى ويومَ الفطرِ".
·              العيد فيه إنفاق في سبيل الله: عيد الفطر يسبقه زكاة الفطر للفقراء والمساكين، وعيد الأضحى به إنفاق مال وسفر وجهد لمن وفقه الله لفريضة الحج، وإنفاق لمن يقدر مادياً بذبح الأضحية سنة عن رسول الله وعن أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام. فالعيد فيه مساعدة الفقراء، ومحاربة الفقر. فالأضحية توزع الثلث لصاحب الأضحية والثلث للأقارب والأصدقاء، والثلث للفقراء
·              الأضحية في عيد الأضحى فيها نشر المحبة: فإرسال اللحوم هدايا من الأضاحي إلى الأقارب والأصدقاء ينشر المحبة تنفيذاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم "تهادوا تحابوا".
·              طاعة للوالدين: وتذكرنا أضحية عيد الأضحى بطاعة نبي الله إسماعيل لوالده أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام "فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أرى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (الصافات: 102)، والذبح هنا رؤية لنبي الله إبراهيم وأمر إلهي لأبي الأنبياء فقط، فطاعة الوالدين من أفضل الطاعات فيما لا يغضب الله. 
·              العيد فرحة أن هدانا الله لطاعته، فعيد الفطر فرحة أن وفقنا الله لصوم شهر رمضان "للصائمِ فَرْحتانِ يفرَحْهُما إذا أَفطرَ فَرِحَ ، وإذا لقي ربَّه فَرِحَ بصومِهِ" ، وعيد الأضحى يذكرنا بطاعة أبو الأنبياء إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام للأمر الإلهي  "فلما أسلما وتله للجبين، وناديناه أن يا إبراهيم، قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين، إن هذا لهو البلاء المبين، وفديناه بذبح عظيم) (الصافات: 103 – 107) فكان الخلود لهذه الطاعة أن شرع الله للمسلمين عيد الأضحى والأضحية اقتداء بهذه الطاعة لأبي الأنبياء وولده إسماعيل عليهما السلام.
·              العيد يبدأ بطاعة: العيد يبدأ بالتكبير والتحميد والتهليل وصلاة العيد، وذلك استمرار للطاعة التي تسبق العيدين، استمرار الطاعة لله عز وجل قبل العيدين.
·              العيد تزاور ومودة وصلة للأرحام: وفرصة للتصالح وإنهاء الخصومات، فإذا التقى اثنان تصافحا: حيث يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم "إنَّ المؤمنَ إذا لقِيَ المؤمنَ فسلَّمَ عليه وأخذ بيدِه فصافحَه تناثرَتْ خطاياهما كما يتناثرُ ورقُ الشَّجرِ"، وفرصة للتزاور وصلة الأرحام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه"، و "مَن أحبَّ أن يبسُطَ لَه في رزقِه، ويُنسَأَ لَه في أثَرِه، فليَصِلْ رحمَهُ"
·              العيد وحدة للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها: فالعيدان يومان للفرح لجميع المسلمين بمختلف الجنسيات والأوطان، وفي عيد الأضحى تتجلى وحدة المسلمين في فريضة الحج، الذي يمثل مؤتمر عام يحضره مسلمون من مختلف دول العالم في زي واحد في مكان واحد يؤدون نفس الشعائر طاعةً لله الواحد الأحد.
ندعو الله العلي القدير أن يبارك للمسلمين في الأعياد وتعود الأعياد على المسلمين بالخير واليمن والبركات، والتصالح والوحدة والتعاون ونبذ الخلافات.
المصدر: موقع علامات أونلاين الالكتروني - 5 أكتوبر 2014 - http://www.alamatonline.net/l3.php?id=118012

الكلمات الدالة: العيد، فرحة، تكافل، تصالح، طاعة، الأضحى، الفطر، مصافحة، تزاور، صلة أرحام، مودة، زكاة، إنفاق، صوم، حج، هدايا، بر الوالدين، أصدقاء، اقارب


الجمعة، 4 يوليو 2014

أمن الوطن

  أمن الوطن
د. زياد موسى عبد المعطي
أمن الوطن ليس مقصوراً فقط على أمن حدودها الخارجية الذي تتكفل به قواتنا المسلحة، ففي الأيام الأخيرة ظهر مصطلح الأمن المائي، وإني أرى أن مصطلح أمن الوطن مصطلح يشمل نواحي كثيرة، فأرى أن هناك أيضاً مصطلح يجب أن نضيفه وهو مصطلح الأمن العلمي، وكذلك أرى أن الحرية والعدالة الاجتماعية، والعدالة الناجزة والقضاء على العشوائيات، والقضاء على البطالة، ومحاربة الفقر والقضاء على الأمية أراها مسألة أمن للوطن.
          أمن الوطن بالطبع يشمل في أولوياته وجود قوات مسلحة تحمي حدوده، وتحمي البلاد من هجوم أي عدو يفكر في الاعتداء على الوطن، قوات مسلحة تتدخل في الداخل عند الضرورة كما حدث خلال ثورة 25 يناير وتحمي المنشآت الحيوية، قوات مسلحة تتبع الوطن، ولا تتبع الحاكم، قوات مسلحة بها كفاءات من مختلف فئات الشعب، تنحاز لمصلحة الوطن، تكوم درع الوطن الواقي في الداخل والخارج، قوات مسلحة لا تعتمد على دولة واحدة في مجال التسليح، بل تنوع مصادر التسليح، وتعمل على زيادة إنتاجنا المحلي من السلاح إلى حين أن نكتفي ذاتياً في مجال السلاح.
          أمن الوطن يقتضي وجود سلطة تنفيذية تعمل لمصلحة الوطن، على رأس هذ السلطة رئيس للجمهورية يشعر بآلام المواطنين، رئيس جمهورية يتخذ حاشية صالحة تدله على الخير، يتخذ مستشارين من أهل الخبرة، والعلم والكفاءة، لا أهل الثقة، مستشارين يدلونه على الخير، ويرشدونه على الصواب لا يقولون له أنه حكيم الزمان والأوان والمكان وما يقوله هو الصواب على الدوام، وأن يكون رئيس الوزراء والوزراء والمحافظين من أهل الخبرة والعلم والدراية، وأن يشعروا بالمواطن ومشاكل الوطن الحقيقية، وأن ينزلوا إلى الشارع ليروا المشاكل على طبيعتها ولا يكتفوا فقط بالتقارير.
          أمن الوطن يحتاج لجهاز شرطة قوي، يحمي الوطن، ولا يحمي الحاكم فقط، جهاز شرطة يؤدي مهامه الموكلة له وفقاً للقانون، يقضي على بؤر البلطجة والإجرام، جهاز شرطة يحمي الجبهة الداخلية للوطن، يأخذ على يد المخالفين بقوة القانون.
          أمن الوطن يحتاج لسلطة تشريعية تراقب الحكومة، وتسن قوانين جديدة تعمل لصالح الوطن، قوانين ليست بها ثغرات، ولا عيوب، فقوة السلطة التشريعية ليست في عدد القوانين التي تصدرها بل في قوة هذه القوانين بمدى وملائمة هذه القوانين لمصلحة الوطن، وأن تستمر هذه القوانين لفترات طويلة.
          أمن الوطن يحتاج لسلطة قضائية مستقلة، وقضاة مستقلين لا يحكمهم إلا ضميرهم يراقبون الله، ولا يخشون في الله لومة لائم.
          أمن الوطن أراه يشمل جهات رقابية تعمل على اكتشاف الفساد حيث كان، وتقديم الفاسد للعدالة، فضحايا الفساد من عبارات غارقة، وعمارات انهارت على سكانها وأغذية فاسدة تقدر بالآلاف وربما يزيد عن ضحايا الحروب.
أمن الوطن لا بد أن يشتمل أمن علمي، وذلك بالاهتمام بالعلماء في شتى المجالات، فيكون هناك أمن في مجال تكنولوجيا المعلومات، أمن علمي يحفظ سرية المعلومات للوطن والأجهزة الحكومية المختلفة ضد قراصنة الانترنت، أمن علمي في مجال الزراعة، يحقق الاكتفاء الذاتي في الغذاء، وأمن علمي في مجال الصحة والدواء، وأمن علمي في مجالات الصناعة وغيرها يوفر ابتكارات تقود الوطن للتنمية والرخاء.
أمن الوطن يشمل الأمن الغذائي وهو توفير الغذاء اللازم للمواطنين سواء كان هذا الغذاء من انتاج الوطن أو يتم استيراده، والأمن الغذائي أراه لا يشمل الخبز فقط بل أراه يشمل غذاء صحي آمن لجميع المواطنين.
أمن الوطن يشتمل الأمن المائي وهو توفير احتياجات المواطنين من مياه الشرب، وتوفير الاحتياجات من مياه الري، وتوفير احتياجات المياه لعمليات التنمية الأخرى، وأرى أنه لا بد من الحفاظ على حصتنا التاريخية من مياه النيل، والتفكير في مشروعات أخرى تزيد حصتنا من المياه مثل مشروع نهر الكونغو، وكذلك الاتجاه لترشيد استهلاكنا من مياه الشرب، واتباع وسائل ري حديثة تقلل من استهلاك مياه الري، والاستفادة من المياه الجوفية في الزراعة وإقامة مجتمعات عمرانية جديدة والاتجاه لتحلية مياه البحر في المناطق الساحلية.
أمن الوطن يشمل وجود دبلوماسية فعالة تحقق مصالح الوطن في محيطنا العربي والافريقي، دبلوماسية تعتمد على المصالح المشتركة، تجعل لمصر دور ريادي في المنطقة والعالم.
أمن الوطن لا بد أن يشمل حرية للتعبير عن الرأي وذلك حتى لا يؤدي الكبت إلى بركان يعصف بالوطن، فالحرية حق من حقوق المواطنين المفترض ألا ينزعه حاكم أو نظام حكم، وهذه الحرية لا بد أن تكون حرية لها حدود، فحريتك تنتهي عندما تصل إلى حدود حرية الآخرين، حرية لا تتجاوز الحدود بالسب أو القذف، أو تدمير المنشآت.
أمن الوطن يشمل القضاء عل البطالة وتوفير الوظائف سواء أكانت الوظائف من الحكومة والقطاع العام، أو القطاع الخاص أو منظمات المجتمع المدني، فالقضاء على البطالة أهم وسائل مكافحة الفقر، فالعاطل الذي لا يجد فرصة عمل يصبح قنبلة موقوتة تنفجر وتضر وتدمر المجتمع.
أمن الوطن لابد أن يشمل القضاء على ظاهرة أطفال الشوارع، القضاء عليها بتجفيف منابعها، واحتواء اطفال الشوارع الحاليين، تجفيف منابع زيادة أطفال الشوارع بزيادة الوعي الديني، والعمل على الحد من حالات العلاقات الغير الشرعية التي لا تتم بزواج شرعي وتوضيح خطورة الزواج العرفي، وتيسير الزواج، وتيسير حصول الشباب على شقق للزواج، وكذلك العمل على احتواء أطفال الشوارع في مؤسسات تعلمهم وتثقفهم، وتعلمهم حرف مفيدة وتوفير فرص عمل ومساكن مناسبة لهم، فظاهرة أطفال الشوارع ظاهرة تهدد أمن الوطن، حيث يستغلهم القلة التي تريد الفساد في الوطن في الأعمال التخريبية، وكذلك أعمال الرذيلة، فأرى أنهم ضحية، وبإهمالهم صاروا جناة.
أمن الوطن من أركانه العدالة الاجتماعية، التي أراها تشمل أجور عادلة وتكافؤ فرص،  فأرى أن من حقق المواطنين أن يجدوا أجور عادلة تكفي أقواتهم وأقوات أسرهم، ويدخروا منها لمستقبلهم، فليس من المنطقي أن يعمل المواطن في وظيفتين أو ثلاث ليجد بالكاد قوت يومه وقوت أسرته، وأرى أن تكافئ الفرص أمن للوطن، فعندما يجد الشاب أن اجتهاده في المراحل التعليم المختلفة ليس له نتيجة للالتحاق بالعمل في الوظائف المرموقة وأن هذه الوظائف محجوزة لمن لهم واسطة، يصاب الشاب بالإحباط، وليست ظاهرة ضحايا مراكب الموت - في البحر المتوسط للشباب المصري المهاجر لدول أوربا هجرة غير شرعية عبر البحر المتوسط - علينا ببعيد، فضحايا وقتلى هذه المراكب يبلغ المئات في السنوات العشر الأخيرة.
نرجو أن يجد المواطن في وطننا الغالي الأمن بجميع أنواع، وأن تنعم مصر بالأمن والاستقرار الذي يقود للتنمية والتقدم والازدهار
 الكلمات الدالة: أمن، وطن، غذاء، سلاح، دواء، مياه، النيل، قضاء، شرطة، بطالة، بلطجة، عدالة اجتماعية، علاقات خارجية
 المصدر: جريدة الأهرام -بريد الأهرام - الاثنين 22 من شعبان 1434 هــ 1 يوليو 2013 السنة 137 العدد 46228

الاثنين، 17 مارس 2014

نعم نستطيع التغيير إلى الأفضل

 في غار حراء كان أول درس من دروس الوحي الأمين، لرسول الله (خاتم الرسل والنبيين)، كان هذا الدرس أنك تستطيع يا محمد أن تكسب معلومات وتتغير وتؤدي الأمانة، فالمسلم مطلوب منه التغيير للأفضل وتحقيق العدل والآمن، فإذا أطعنا الله والتزمنا بمنهجه فإننا نستطيع أن نكون أساتذة العالم، ونكون في المقدمة، نعم نستطيع.
نعم نستطيع التغيير إلى الأفضل 
د. زياد موسى عبد المعطي أحمد
 في غار حراء كان أول درس من دروس الوحي الأمين، لرسول الله (خاتم الرسل والنبيين)، كان هذا الدرس أنك تستطيع يا محمد أن تكسب معلومات وتتغير وتؤدي الأمانة، فالمسلم مطلوب منه التغيير للأفضل وتحقيق العدل والآمن، فإذا أطعنا الله والتزمنا بمنهجه فإننا نستطيع أن نكون أساتذة العالم، ونكون في المقدمة، نعم نستطيع.

ففي غار حراء حيث نزل الوحي جبريل عليه السلام بالرسالة على الرسول [قال له: «اقرأ»، وجبريل يعلم من الله أن محمداً [لا يقرأ، فكان الرد بتلقائية وصدق: «ما أنا بقارئ» ولكنه كرر عليه جبريل عليه السلام ما قاله مرتين: «اقرأ»، فكان الرد في المرتين مثل المرة الأولى: «ما أنا بقارئ»، فكان أول آيات القرآن هي أنك تستطيع القراءة أنت وأمتك يا محمد: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (العلق 1 -5)، والقراءة لرسول الله [هي حفظ القرآن الكريم، وتبليغ الرسالة، والقراءة بالنسبة للأمة هي العلم وتبليغ الرسالة أيضاً، فجبريل عليه السلام أكد للرسول الكريم في أول مرة ينزل فيها بالوحي للرسول أنك أيها النبي الأمي سوف تستطيع أن تقرأ، وسوف تتغير، وتغير أمتك والعالم، فالله الذي خلقك سوف يكرمك، ويعلمك ما لم تكن تعلم، وأن رسول الله [سوف يقرأ القرآن ويعلمه لأمته، وأن القراءة تعلم الإنسان الجديد وتعلمه ما لم يكن يعلم.

نعم نستطيع أن نتغير للأفضل بأن نقرأ ونتعلم؛ نقرأ كتاب ربنا وسنة نبينا (نقراهما وتعلمهما، ونقتدي بنبينا): {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخر وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} (الأحزاب:21)، فقد كان رسول الله [يظن أنه لن يستطيع القراءة أو الحفظ، ولكنه بمشيئة الله سبحانه وتعالى استطاع أن يقرأ القرآن ويحفظه: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى. إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى} (الأعلى: 6 – 7).

نستطيع أن نتقدم أفراداً وجماعات وشعوبا وأوطانا بالاهتمام بالعلم، فأول دروس القرآن: «اقرأ»، نستطيع التغير إلى الأفضل بالعلم، والله يرفع أهل العلم في الدنيا والآخرة: {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب} (الزمر: 9)، {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ امنوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة:11)، وأخرج أبو داود والترمذي عن أبي الدَّرداء أنه قال: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ [ يَقُولُ: مَن سَلَكَ طَرِيْقَاَ يَبْتَغِي فِيْهِ عِلْمَاً سَهَّلَ اللهُ لهُ طَرِيْقَاً إلى الجَنَّة، وإنَّ المَلائِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ العِلْمِ رِضَاً بِما يَصْنَعُ، وَإنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغفِرُ لهُ مَن في السَّمواتِ ومَن في الأرضِ حَتَّى الحِيْتَانُ في المَاء، وفَضْلُ العَالِمِ عَلى العَابِدِ كَفَضلِ القَمَرِ على سَائِرِ الكَوَاكِبِ، وإنَّ العُلَماءِ وَرَثَةُ الأنبِياءِ، وإنَّ الأنبِياءَ لمْ  يُوَرِّثُوا دِيْناراً ولا دِرْهَمَاً، وَإنَّما وَرَّثُوا العِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أخَذَ بِحَظٍ وَافِرٍ».

 ومن درر الشعر العربي التي توضح أهمية العلم في بناء الحضارات ما قاله أمير الشعراء أحمد شوقي:

بالعلم والمال يبني الناس ملكهم        لم يبن ملك على جهل وإقلال
ويقول أيضاً:

العلم يرفع بيوتاً لا عماد لها     والجهل يهدم بيت العز والشرف
نعم نستطيع بالاهتمام بالعلم والعلماء أن نتقدم ونصبح أساتذة العالم كما كنا، فلا ينكر أحد في العالم فضل العلماء المسلمين في عصور ازدهار الحضارة الإسلامية على الحضارة الحديثة، فمن هؤلاء العلماء الأفذاذ الحسن بن الهيثم، وابن سينا، وجابر ابن حيان، والخوارزمي، وغيرهم كثير رغم تحفظنا على كثير من عقائدهم المخالفة للعقيدة نعم نستطيع أن نخرج من بيننا أمثالهم، وبالعلم وبالبحث العلمي يتعلم الإنسان ما لم يكن يعلمه، وتكتسب البشرية معارف جديدة وتنتج البشرية الاختراعات المفيدة في شتى الميادين.

نعم نستطيع ذلك بترك الكسل وبذل الجهد والتوكل على الله، فبعد نزول الوحي في غار حراء، نزل جبريل الأمين على خاتم المرسلين: {يَأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا. نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا. إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا. إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا. إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا. وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا. رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا} (المزمل: 1 – 9)، ونزل الوحي الأمين بقول الله سبحانه وتعالى: {يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ. وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ. وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ. وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} (المدثر: 1 -7)، أي إنه لكي تؤدي الرسالة عليك بالهمة والنشاط وعدم الخمول، وعليك بقراءة القرآن وقيام الليل، والصبر لتحقيق هدفك وتبليغ رسالتك، وهذا واجبنا نحن المسلمين جميعاً في أن نترك الكسل ونتحلى بالعزيمة والنشاط والهمة مستلهمين ذلك من قدوتنا رسول الله.

نعم نستطيع أن نتطور ونتقدم بالعمل الجاد الدؤوب، فالله عز وجل يقول: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} (الملك: 1 -2)، ويقول الله عز وجل: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} (التوبة: 105)، فطريق التقدم لا بد أن نسلكه بالجهد والعرق والتعب لا بالكسل والخمول.

نعم نستطيع أن نبلغ أهدافنا عندما نتحلى بالعزيمة والإرادة التي لا تلين، وأن نتحلى بالصبر، فرحلة تحقيق الأهداف مليئة بالأشواك، ولنا في رسول الله أسوة حسنة، ولقد كان لرسول الله [ عزيمة لا تلين لتبليغ الدعوة والنجاح في تأدية الرسالة، وتأدية أمانة الدعوة، وفي قوله لعمه أبي طالب توضيح لصورة جلية لعزيمة لا تلين: «والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته»، لقد تحمل الصعاب والمكاره في مكة، ثم كانت الهجرة إلى المدينة، وانتشار الإسلام في الجزيرة العربية في أواخر أيام حياة الرسول [، وبشر [ بانتشار الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها في أوقات عديدة، وما زال الإسلام ينتشر حتى يومنا هذا، وسوف يستمر بإذن الله ويدخل أناس كثيرون في دين الله أفواجاً، فرسول الله [ كان ذا همة عالية أحيا الله به الأمة، فلنكن بإذن الله أصحاب همة وعزيمة لتحقيق أهداف عالية لنحقق النجاح في حياتنا، ولنعد إيقاظ الأمة، ويقول الله عز وجل قولُهُ تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (الرعد: 11)، فلابد من العزيمة القوية والإرادة والله يوفق من أراد إصلاحاً.

نعم نستطيع أن نتغير ونتطور بالتعليم والإرادة، فكل إنسان ولد في هذه الدنيا وهو لا يجيد سوى الصراخ والرضاعة من ثدي أمه، ثم تعلم أي إنسان في الدنيا الحركة والكلام، وتطور كل منا وتعلمنا الكثير في الدنيا، وتعلم كل منا مهنته، وكل يوم نتعلم الجديد، فليكن لدينا عزيمة مثل عزيمة طفل رضيع يحاول المشي، يقع على الأرض مرات ومرات ويفشل في تكملة المسير مرات ومرات ولكن بالعزيمة والإصرار ينجح في مراده، فليكن عندنا عزيمة وإرادة مثل عزيمة نملة عندما تريد أن توصل غذاءها إلى مسكنها، ولكنها تتعثر مراراً، وقد تقابلها مطبات عديدة ويقع غذاؤها ولكنها تصر على بلوغ هدفها، وتحاول حتى تصل إلى مسكنها بالغذاء.

نعم نستطيع التقدم بالاتحاد فيما بيننا، فالاتحاد قوة، كما استطاع رسول الله [ أن يوحد أمة العرب المتفرقة، التي كانت في وضع أقل كثيراً من أمتي الفرس والروم في ذلك الوقت، فقد كان أهل الجزيرة العربية مجرد قبائل أو قرى صغيرة متفرقة، وكانت بين الكثير منهم حروب وعداوات، واستطاع هؤلاء الناس بعد أن دخلوا في الإسلام أن يكونوا أسياد العالم، وأن يتغلبوا ويتفوقوا على أفضل أمم الأرض في عصرهم، نستطيع نحن الآن أن نتفوق على أمم الأرض، وأن نكون في مقدمة أمم العالم كما فعل أسلافنا، فيقول الله عز وجل: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} (آل عمران: 103)، وفي وقتنا الحديث من البديهيات أن الكيانات الكبيرة هي التي تكون لها الكلمة العليا المسموعة في العالم، أما الكيانات الصغيرة فليست ذات ثقل كبير.

نعم نستطيع بالإدارة الواعية الفاهمة والعادلة، إدارة تخطط جيداً، وتتابع التخطيط، وتصحح الأخطاء، إدارة تستطيع أن توظف المواهب أفضل توظيف، وتفجر الطاقات، وتشجع المبدعين، وتضع الشخص المناسب في المكان المناسب، فرسول الله [وظف مواهب الصحابة أفضل توظيف، فأبو هريرة حافظ الأحاديث والسنة، وخالد ابن الوليد قائد عسكري، وحسان بن ثابت شاعر الرسول.

نعم نستطيع أن نتغير أفراداً ودولا وأمة إسلامية، نعم نستطيع أن نكون في المقدمة وأن نكون في القمة كما كنا.

المصدر: مجلة الفرقان الكويتية: العدد 644 - الاثنين: 8 رمضان 1432هـ, الموافق: 8/8/2011م – صـ 36 – 37 .

السبت، 25 يناير 2014

تواضع ولا تتكبر

هذه المقالة هي محاولة لإلقاء الضوء على التكبر والتواضع، ونبذ صفة التكبر والتحلي بالتواضع، وابدأ بتوضيح النهي عن التكبر والأمر بالتحلي بالتواضع في ديننا الحنيف، ثم محاولات لفهم أن التواضع واجب على الإنسان من وجهة نظر علمية، وأتطرق إلى جزاء المتكبرين، وأمثلة للمتكبرين والمتواضعين.

 تواضع ولا تتكبر

د. زياد موسى عبد المعطي أحمد
التكبر من الصفات الذميمة أمرنا الله عز وجل ألا نتخلق بها، والتواضع من الصفات الحميدة التي أمرنا الله أن نتخلق بها
التكبر هو أن يستعلي الإنسان على الآخرين بما أعطاه الله من نعم على خلقه، فهناك من يتكبر لسلطانه أو ماله أو علمه أو قوته البدنية أو غير ذلك، والتواضع عكس التكبر، حيث أن المتواضع لا يستعلي على خلق الله، ويعلم أن ما به من نِعم فإنا هي نِعم أنعم الله عليه بها.
هذه المقالة هي محاولة لإلقاء الضوء على التكبر والتواضع، ونبذ صفة التكبر والتحلي بالتواضع، وابدأ بتوضيح النهي عن التكبر والأمر بالتحلي بالتواضع في ديننا الحنيف، ثم محاولات لفهم أن التواضع واجب على الإنسان من وجهة نظر علمية، وأتطرق إلى جزاء المتكبرين، وأمثلة للمتكبرين والمتواضعين.
فالتكبر صفة نهانا عنها الله عز وجل حيث يقول الله سبحانه وتعالى "إن الله لا يحب المستكبرين" (النحل: 23)، "أليس في جهنم مثوى للمتكبرين" (الزمر: 60)، "ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين" (الزمر: 72) ، كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الحديث القدسي الذي يرويه عن الله عز وجل "الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار" (رواه مسلم وأبو داود والترمذي)، وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المتكبر لا يدخل الجنة فقال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" (رواه مسلم وأبو داود والترمذي)، وقد أمرنا الله عز وجل بالتواضع كما في سورة لقمان، حيث ذكر القرآن على لسان لقمان عليه السلام ناصحاً ابنه والبشر أجمعين قائلاً "ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحًا إن الله لا يحب كل مختال فخور" (لقمان: 18)، كما يحثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على التواضع فيقول رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم  "إِن اللَّه أَوحَى إِليَّ أَنْ تَواضَعُوا حتى لا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلى أَحدٍ ، ولا يَبغِيَ أَحَدٌ على أَحَدٍ "( رواه مسلم)، ويقول أيضاً "ما نَقَصَتْ صَدقَةٌ من مالٍ ، وما زاد اللَّه عَبداً بِعَفوٍ إِلاَّ عِزّاً، ومَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للَّهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ "( رواه مسلم).
وفي الشعر الإسلامي درر من الحكم تدعو إلى التواضع والابتعاد عن التكبر، فمنها ما قاله الإمام الشافعي:
تَوَاضَعْ تَكُنْ كالنَّجْمِ لاح لِنَاظـِـــرِ  على صفحـات المــاء وَهْوَ رَفِيــعُ
           لا تَكُ  كالدُّخَانِ يَعْلُـــو  بَنَفْسـِـــهِ        على    طبقــات الجـوِّ وَهْوَ وَضِيــعُ
ويقول الشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي 
ليس التطاول رافعا من جاهل     وكذا التواضع لا يضرّ بعاقل  
ويقول الشاعر الكريز
ولا تمشي في الأرض إلا تواضعا     فكم تحتها قوم هم منك أرفع
وفي محاولة لفهم لماذا نتواضع ننظر بنظرة علمية على خلق الإنسان وتكوينه وهل من حقه أن يتكبر أم يتواضع؟ سوف نجد السطور التالية تجيبنا بكل وضوح أن التواضع هو السلوك الواجب والمفترض، وان الكبر سلوك لا يجوز.
مر أحد المتكبرين على مالك بن دينار، وكان هذا المتكبر يتبختر في مشيته فقال له مالك: أما علمت أنها مشية يكرها الله إلا بين الصفين؟ فقال المتكبر: أما تعرفني؟ قال مالك: بلى، أوّلك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة، فانكسر وقال: الآن عرفتني حق المعرفة، هذه المقولة مقولة فصيحة تبين أن الإنسان يخلق من اتحاد نطفتين من الذكر والأنثى، اللتين توجدان بماء الرجل والمرأة، وهذا الماء يوجب الغسل والطهارة وتشمئز من الأنفس، وفي نهاية رحلة الحياة يكون الموت، ويكون الرداء لأي إنسان غني أو فقير عظيم أو حقير هو الكفن، والسكن بعد الموت يكون في القبر، والدفن في التراب، ثم تتحلل الجثة بفعل الميكروبات والديدان في التربة وتصبح جيفة قذرة، فهل من له مثل هذه البداية والنهاية في رحلة حياته أن يتكبر.
أما أثناء رحلة الحياة فالإنسان يحمل بين جنبيه العذرة، أي البول والبراز الذي تشمئز من الأنفس وتكره منظرهما ورائحتهما، بل يحبس الإنسان داخل جسمه الريح ذو الرائحة الكريهة، ويتمخط أي إنسان من أنفه مخاط تعافيه النفس وتكره منظره، فهل لمن يحمل في جسمه ويخرج هذه الأشياء أن يتكبر؟
عمر الإنسان على الأرض سنين معدودة، مهما طال به العمر، فلابد من الموت، عمر الأرض ملايين السنين، وعمر الإنسان محدود، فحتى لو بلغ ألف عام أو أكثر فسوف يموت الإنسان.
الإنسان يموت منه ملايين الخلايا كل يوم وتنشأ خلايا جديدة، وتتجدد الأنسجة تلقائياً (فيما عد خلايا الجهاز العصبي)، أي أن الإنسان يموت جزء وتولد فيه الخلايا يوميا ً"يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون" (الروم: 19) ، بل إن أجزاء من جسم الإنسان مثل الأظافر والشعر عندما تنمو يتم قصها والتخلص منها في القمامة، بل إن أي إنسان يمكن أن يتعرض لحادث فيبتر جزء من ذراعه أو ساقه، أو غير ذلك من أعضاء الجسم، فيدفن هذا الجزء من الجسم وصاحب الجسم حي يرزق، فهل لكائن تموت خلاياه وتولد فيه خلايا أخرى ويرمى أجزاء منه في القمامة أن يتكبر؟
أي إنسان يتعرض للمرض بسب ميكروبات صغيرة لا ترى بالعين المجردة، وتسبب أمراض متفاوتة الشدة والخطورة، وبعضها قد يسبب عاهات، أو يسبب الوفيات، كما قد يمرض الإنسان أمراضاً عضوية أخرى، فالإنسان مخلوق ضعيف ".... وخلق الإنسان ضعيفاً" (سورة النساء: 28) فهل يوجد إنسان لا يمرض؟
في بداية رحلة الإنسان في الدنيا يكون ضعيفاً، ففي البداية يكون من اتحاد النطفتين المذكرة والمؤنثة في رحم الأم، ثم ينمو ويكون مضغة ثم علقة ثم يتكون الجنين، ويخرج من بطن الأم ضعيفاً لا حول له ولا قوة ترضعه الأم لمدة عامين، ثم ينمو ويكبر حتى يبغ أشده ومن يعمر في الأرض تتدهور صحته ويصل لمرحلة الشيخوخة ويصير ضعيفاً ويحتاج إلى الرعاية مثل الطفل الصغير "وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخَلْقِ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ "‏ (‏ يس‏:68). فهل لمن هو ضعيف في أول حياته وآخرها أن يتكبر؟
هل فكر أي إنسان أن الهواء الذي يستنشقه؟  فقد تكون بعض جزيئات هذا الهواء قد دخلت جسم إنسان آخر أقل من شأناً، أو قد تكون هذه الجزيئات قد دخلت جسم حيوان آخر مثل الكلب أو القط أو الفأر أو حتى ذبابة أو نملة.
هل فكر الإنسان في طعامه الذي يتناوله، وجزيئات هذا الطعام؟ فربما كانت هذه الجزيئات مخلفات وروث للبهائم، فروث البهائم بعد تحلله يصبح سماد عضوي عني بالعناصر الغذائية ويمد النبات بالعناصر الغذائية الضرورية، وربما صار تراب الناتج عن تحلل جثمان إنسان غذاء للنبات، ويتناول هذا الغذاء، فربما جزيئات الغذاء الذي نتناوله مرت في أجساد عدد كبير من البشر قبلنا، وربما مرت هذه الجزيئات بأجساد عدد من الحيوانات صغرت هذه الحيوانات أم كبرت، هذا فضلاً عن اللحوم التي نأكلها للحيوانات الأليفة التي أحل الله أكل لحومها، ومخلفاتها تستخدم في السماد للنباتات، فهل من كانت جزيئات غذائه والجزيئات المكونة لجسمه قد تكون مخلفات لحيوانات، وقد تكون مرت بأجساد بشر آخرين، وقد تكون جزيئات لبشر أو مخلوقات أخرى في المستقبل هل له أن يتكبر!!!!!!
جسم الإنسان بعد موته يكون غذاء للديدان والميكروبات في القبر، ومن لا يدفن تصبح جثته رميماً تأكل الطير منه والكلاب وغيرها من الحيوانات التي تأكل اللحم، بل الإنسان قد يكون طعاماً وهو حي لبعض الحيوانات المفترسة مثل الأسد، أو النمر في على اليابسة، أو طعاماً للحيتان أو أسماك القرش في البحار والمحيطات، فهل لمخلوق هو غذاء لغيره من المخلوقات أن يتكبر؟
حجم الإنسان في الكون لا يذكر، فأي إنسان مهما كان غنياً له الكثير من الممتلكات يشغل جزء بسيط جداً على اليابسة على سطح الأرض، وحجم اليابسة على الأرض أقل من ربع كوكب الأرض،  والأرض كوكب في المجموعة الشمسية، والمجموعة الشمسية مجموعة كواكب تدور حول الشمس، وهي جزء صغير في  مجرة درب التبانة، و مجرة درب التبانة هي واحدة من مجرات عديدة في السماء أي هذه المجرة هي جزء بسيط في الفضاء الواسع في السماء الدنيا،  أما بقية السموات السبع فلا يعلمها إلا الله، فحجم الإنسان في الكون ضئيل جداً ولا يذكر، وأقل بكثير من نقطة مياه في محيط من محيطات الأرض، فالتواضع لخالق الكون واجب.
أئمة المتكبرين ذكرهم الله في القرآن، واخبرنا الله أن مصيرهم النار يوم القيامة، فمنهم:
 إبليس العين الذي طرده الله من رحمته حينما تكبر بسبب طبيعة المادة المخلوق منها وظن أنه أفضل من آدم لأنه خلق من نار وآدم خلق من طين، ورفض أمر الله سبحانه وتعالى الذي خلقه بالسجود لآدم، فكان جزاءه الطرد من رحمة الله في الدنيا والآخرة، فقد قال الله تعالى في سورة (ص):" إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ(71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ(72) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ(73) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ(74) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ(75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ(76) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ(77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ(78) قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ(80) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ(83) قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ(84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85)" ولذلك فإن إبليس أول من تكبر من الخلق، ومن يتكبر من البشر ظناً أنه خلق من طينة أخرى غير باقي البشر (رغم أننا جميعاً من أبناء آدم وكل البشر من نفس الطينة) فهو في ذلك يتبع إبليس اللعين في خلق التكبر ومصيره إلى جهنم يوم القيامة.
وفرعون مثل لكل متكبر عبر التاريخ أغراه ملكه ليتكبر على الناس "إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ" (٦) (القصص)، فظن فرعون أنه إله يعبده الناس في الأرض، ولم يستجب لدعوة الحق التي حملها له موسى وهارون عليهما السلام، وكان مصيره أن غرق في البحر، " وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)" ( القصص)، فمن يتكبر لملكه وسلطانه سوف يحشر مع فرعون يوم القيامة، فلا يتكبر ذو سلطان وليأخذ من فرعون عبرة وعظة.
وقارون من أئمة المتكبرين بسبب الغنى وكثرة المال، تكبر قارون على الناس وقال إنما أتيته على علم عندي، ولم يذكر نعم الله عليه، ولم ينسب الفضل لله، فكان عبرة لغيره عبر التاريخ، وكان جزاؤه في الدنيا أن خسف الله به وبداره الأرض، وهو في الآخرة من الخاسرين، وكما يقول رب العزة في سورة القصص  " إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82).
ومن أئمة المتواضعين الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون، ومن المواقف التي ذكرها الله في القرآن توضح التواضع والتكبر وتم ذكرها في هذا المقال أن الملائكة سجدوا لآدم عندما أمره الله واستكبر إبليس اللعين، ولم يقولوا خلقتنا من نور وخلقته من طين، بل أطاعوا الله واتبعوا أمره.
وإمام المتواضعين للبشرية أجمعين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله عز وجل ليعلم البشرية الأخلاق، قدوة المسلمين إلى يوم الدين ، " لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخر وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً" (الأحزاب:21)، فسيرته صلى الله عليه وسلم مليئة بدروس التواضع، واذكر منها أن رجلا كلم النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فأخذته الرعدة فقال النبي صلى الله عليه وسلم هون عليك فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد (أخرجه الحاكم في المستدرك، حديث صحيح)، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور الأنصار ويسلم على صبيانهم ويمسح رؤوسهم (أخرجه ابن حبان في صحيحه)، وسئِلت عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنَع في بيته؟ قالت: يكون في مهنة ، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة. (رواه البخاري)
فالتكبر صفة تبعد الإنسان عن رضا الله، وتؤدي بالإنسان إلى النار، والتواضع صفة حميدة تقربنا إلى الله وتقربنا إلى الجنة.
المصدر: مجلة الفرقان الكويتية: الاثنين 10 ذو القعدة 1431 هـ -18 أكتوبر 2010 م – العدد 605 – صـ38 – 40 - http://www.al-forqan.net/articles/766.html
الكلمات الدالة: تواضع، تكبر، الجنة، النار، إبليس، فرعون، قارون، الملائكة، الأنبياء، الرسول، موت، خلايا، قرآن، أحاديث، ميكروبات، فضلات، تراب، أخلاق.
مقالات ذات صلة:
نعمة المرض من وجههة أخرى

ضع نفسك مكان الآخر